الصفحة 59 من 136

ثمّ عاب الله عزّوجل النّاس كلّهم وذمّهم ، ونسبهم إلى اللّوم والهلَع والجزَع ، والمنع للخير إلاّ أهل الصّلاة ، فإنّه استثناهم منهم فقال عزّوجل: { إنّ الإنسان خُلق هلوعًا (1) إذا مسّه الشّرُّ جزوعًا وإذا مسّه الخيرُ منوعًا } (2) [ المعارج:19ـ21] ثم استثنى المصلّين منهم ، فقال: { إلاّ المصلّين الذين هم على صلاتهم دائمون (3) والّذين في أموالهم حقٌ معلومٌ للسّائل والمحروم } [ المعارج:22ـ25 ] ثمّ وصفهم بالأعمال الزّاكية الطّاهرة المرضية الشّريفة ، إلى قوله: { والذين هم بشهاداتهم قائمون } [ المعارج: 33 ] ثم ختم بثنائه عليهم ومدحهم بأن ذكرهم بحفظهم الصّلاة فقال: والذين هم على صلاتهم يحافظون ، (4)

(1) صيغة مبالغة من الهلع ، وهو شدّة الجزع مع شدّة الحرص والضّجر وعن ابن عبّاس قال: الهلوع: هو الجزوع الحريص .تفسير الطّبري 12/234 .

(2) هذا تفصيل حال الهلوع وهو أنّه إذا مسّه الخير كان منوعًا وإذا مسّه الشرّ كان جزوعًا قال ابن جرير: ( يقول: إذا قلّ ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوعٌ من ذلك لا صبر له عليه ، وإذا كثُر مالُه ونال الغنى فهو منوعٌ لما في يده بخيل به لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدّي حقّ الله منه) تفسير الطّبري 12 / 234 .

(3) هذا وصفٌ للمؤمنين يقتضي استمراريّتهم على أداء الصّلاة فلا يتركون منها شيئًا فيوصف بالانقطاع ، ولهذا جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: ( أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ ) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين باب فضيلة العمل الدّائم ح783 عن عائشة رضي الله عنها.

(4) قال قتادة: أي على وضوئها وركوعها ، ذكره القرطبي ثمّ قال: ( فالدّوام خلاف المحافظة ، فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها لا يُخِلّون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشّواغل ، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها ويقيموا أركانها ويكمّلوها بسننها وآدابها ويحفظوها من الإحباط باقتراف المأثم ، فالدّوام يرجع إلى نفس الصّلوات والمحافظة إلى أحوالها ) تفسير القرطبي 18 / 189 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت