فمن ذلك: أنّ الله تعالى ذكر أعمال البِرّ الّتي أوجب لأهلها الخلود في الفردوس (1) ، فافتتح تلك الأعمال بالصّلاة ، وختمها بالصّلاة مرتين ، قال تعالى: { قد أفلح المؤمنون (2) الذين هم في صلاتهم خاشعون } (3)
(1) هو أعلى الجنّة وأوسطها ، جاء فيه الحديث المشهور: ( إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى فإنّه أعلى الجنّة وأوسطها وسقفه عرش الرّحمن ) أخرجه البخاري في المغازي باب درجات المجاهدين ح2790 وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه .
(2) قال ابن جرير رحمه الله: ( يعني جلّ ثناؤه بقوله: { قد أفلح المؤمنون } قد أدرك الّذين صدّقوا الله ورسوله محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - وأقرّوا بما جاءهم به من عند الله وعملوا بما دعاهم إليه ممّا سمّى في هذه الآيات الخلودَ في جنّات ربّهم وفازوا بطلبتهم لديه ) ثمّ روى عن كعب وميسرة وغيرهم ( أنّ الله غرس الجنّة بيده ثمّ قال لها تكلّمي ، فقالت: قد أفلح المؤمنون ) ، تفسير الطّبري 9 / 196.
(3) قال الطّبري رحمه الله: ( اختلف أهل التّأويل في الّذي عُني به في هذا الموضع من الخشوع ) ثمّ سرد بأسانيده عن السّلف قولين: أحدهما أنّه الخوف ، والآخر أنّه سكون الأطراف وعدم الحركة ثمّ قال: ( وقد بيّنّا فيما مضى من كتابنا أنّ الخشوع: التّذلّل والخضوع ..وإذا كان كذلك ولم يكن الله دلّ على أنّ مراده من ذلك معنى دون معنى ..كان معلومًا أنّ معنى مراده العموم ..فتأويل الكلام: الّذين هم في صلاتهم متذلّلون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته ، وإذا تذلّل لله فيها رُؤيت ذلّة خضوعه في سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أُمر بتركه فيها ) بتصرّف يسير 9 / 197 ـ 198 ، وعليه يُفهم أنّ خشوع القلب يلزم منه خشوع الجوارح ، بل إنّك تجد المصلّي إذا كان مشغول القلب بأمر هام ساكن الجوارح لشرود ذهنه في التّفكير في ما أهمّه ، وهذا أمر مُشاهد ، حتّى خارج الصّلاة إذا شرد الإنسان في أمر يهمّه سكنت حركته ، فإذا خشع العبد وشرد ذهنه متفكّرًا في أمر صلاته ووقوفه بين يدي الله تعالى سكنت جوارحه إلاّ ممّا لابدّ منه ، نسأله الله تعالى أن يرزقنا الخشوع ، فقد جاء في سنن التّرمذي في حديث جبير بن نفير عن أبي الدّرداء رضي الله عنه عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال يومًا: ( هذا أوان يُختلس العلم من النّاس حتّى لا يقدروا منه على شيء ..قال جبير فلقيت عبادة بن الصّامت رضي الله عنه فسألته عن ذلك فقال: صدق أبو الدّرداء ، إن شئت لأحدّثنّك بأوّل علم يُرفع من النّاس ؟ الخشوع ، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا ) كتاب العلم باب ماجاء في ذهاب العلم ، وله شاهد عن عوف بن مالك أخرجه أحمد 6 / 26ـ27 والطّبراني 18 / ح75والخطيب في اقتضاء العلم العمل ح89 والبزّار ح232 وابن حبّان ح4572 وفيه أنّ القائل: ( أوّل علم يُرفع من النّاس ) هو شدّاد بن أوس ، وهو عند الطّبراني في الكبير ح7183 مختصرًا بلفظ: ( أوّل ما يُرفع من النّاس الخشوع ) وصحّحه الألباني عن أبي الدّرداء وعوف بن مالك في صحيح الجامع ح6990 .