وقول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: ( إذا كبّر وركع ، فكبّروا واركعوا ) معناه: أن ينتظروا الإمام حتى يكبّر ويركع ، وينقطع صوته وهم قيام (1)
(1) يُفهم من هذا أنّ على الإمام أن ينتهي من التّكبير مع دخوله في الرّكن فعلًا ، فلا ينتهي من التّكبير في الرّكوع إلاّ إذا وضع يديه على ركبتيه ، ولا ينتهي من التّسميع إلاّ إذا اعتدل قائمًا ، ولا ينتهي من التّكبير في السّجود إلاّ إذا وضع جبهته على الأرض وهكذا ، لأنّ غالب المأمومين يعتمدون في المتابعة على الصّوت ، فلو انتهى من التّكبير قبل دخوله في الرّكن التّالي فلربّما سبقه مأمومٌ إليه ، خصوصًا إذا كان هذا الإمام أبطأ في الحركة من المأموم ، وهذا لا يلزم منه تطويل التّكبير كما تقدّم إنكاره ، لأنّ أطول ما بين ركنين هو ما بين القيام وبين السّجود ولا يقتضي ذلك أن يطول التّكبير أكثر من أربع حركات أو خمس ، وبذلك لا يبدأ المأموم في الانتقال للرّكن إلاّ بعد أن يدخل فيه الإمام حقيقة فلا يشاركه في شيء من حركاته بل يكون متابعًا له مباشرة .
وكما أنّه ينتهي تكبيره بدخوله في الرّكن كذلك يبدأ في التّكبير بخروجه منه ، فإذا أراد أن يكبّر للرّكوع فليبدأ بمجرّد انحناءه للرّكوع ، وإذا أراد أن يرفع منه بدأ بالتّسميع بمجرّد رفع يديه من على ركبتيه ، وفائدة ذلك أنّ يعرف المأموم إذا دخل والإمام راكع إذا كان أدرك الرّكعة أم لا ، فإنّه إذا وضع يديه على ركبتيه قبل أن يسمع صوت الإمام بالتّسميع عرف أنّه أدرك الرّكعة ، وأمّا إذا كان الإمام لا يبدأ في قوله سمع الله لمن حمده إلاّ إذا استوى قائمًا فإنّ ذلك يوقع المأموم في حيرة من أمره في إدراك الرّكعة من عدمه وهذا من كمال حكمة السّنّة ودقّتها ، قال النّووي رحمه الله في شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان يكبّر حين يهوي ساجدًا ثمّ يكبّر حين يقوم: ( هذا دليلٌ على مقارنة التّكبير لهذه الحركات وبسطه عليها فيبدأ بالتّكبير حين يشرع في الانتقال إلى الرّكوع ويمدّه حتّى يصل حدّ الرّاكعين ، ويبدأ بالتّكبير حين يشرع في الهويّ إلى السّجود ويمدّه حتّى يضع جبهته على الأرض ، ويبدأ في قوله: سمع الله لمن حمده حين يشرع في الرّفع من الرّكوع ويمدّه حتّى ينتصب قائمًا ..) شرح مسلم 4 / 99 وقال الحافظ رحمه الله في شرح نفس الحديث: ( قوله: حين يرفع ، فيه أنّ التّسميع ذكر النّهوض وأنّ التّحميد ذكر الاعتدال ) الفتح 2 / 273 وقال في شرح قول رفاعة بن رافع في وصف صلاته - صلى الله عليه وسلم -: ( فلمّا رفع رأسه من الرّكوع قال: سمع الله لمن حمده) : (ظاهره أنّ التّسميع وقع بعد رفع الرّأس من الرّكوع فيكون من أذكار الاعتدال ، وقد مضى في حديث أبي هريرة وغيره ما يدلّ على أنّه ذكر الانتقال وهو المعروف ، ويمكن الجمع بينهما بأنّه لمّا شرع في رفع رأسه ابتدأ القول المذكور وأتمّه بعد أن اعتدل ) الفتح 2 / 285ـ286.