كما أنّه لم يكن يحبّ الشّهرة ، يحكي عمّه أنّه دخل عليه فوجده محزونًا فقال: ( يا ابن أخي أيش(1) هذا الغم ؟ وأيش هذا الحزن ؟ فرفع رأسه وقال: يا عم ، طوبى لمن أخمل الله ذِكْره ) (2) ، وقال مرّة: ( لو وجدت السّبيل لخرجت حتّى لا يكون لي ذكر ، وقال: أريد أن أكون في شعبٍ بمكّة حتّى لا أُعرف ، قد بُليتُ بالشّهرة ، إنّي لأتمنّى الموت صباحًا ومساءً ) (3) هذه هي الشّهرة في نظره: بلاءٌ وهمٌ أصبح بسببه يتمنّى الموت ، وعندنا هي مغنمٌ ومطلبٌ إذا حصل للواحد تمنّى الخلود لشدّة محبّته لها ، قال يحيى بن معين: ( ما رأيت مثل أحمد ، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيءٍ ممّا كان فيه من الخير ) (4) .
وقال له المرّوذي: ( إنّ فلانًا قال: لم يزهد أبو عبدالله في الدّراهم وحدها ، زهد في النّاس ، فقال: ومن أنا حتّى أزهد في النّاس ؟ النّاس يريدون أن يزهدوا فيّ ) (5) .
وقال المرّوذي: ( لم أر الفقير في مجلس أعزّ منه في مجلس أبي عبدالله وكان مائلًا إليهم... وكان إذا خرج إلى المسجد لم يتصدّر) (6) .
وقال له رجل: ( الحمدلله إذ رأيتك ، فقال: اقعد ، أيّ شيء ذا ؟ ومن أنا ؟ ) وقال له شخص: ( جزاك الله عن الإسلام خيرًا ، فقال: بل جزى الله الإسلام عنّي خيرًا ، من أنا وما أنا ؟) (7) .
(1) مأخوذة من: أيّ شيء هذا ؟
(2) السّير 11 / 207 .
(3) السّير 11 / 216 .
(4) السّير 11 / 214 .
(5) السّير 11 / 216 .
(6) السّير 11 / 218 .
(7) السّير 11 / 225 ، وهذا يقوله الإمام تواضعًا ، وأمّا نفس اللّفظة فقد قالها أبو بكر رضي الله عنه لعثمان يوم استشاره في تولية عمر ذكره ابن حبّان في ثقاته 2 / 192.