الصفحة 21 من 136

وهذا أقوله لأنّي أجد من بعض المتسنّنة غلوًّا في معاملة المخالف ، ويستحلّ بعضهم إيذاء المبتدع بأيّ نوعٍ من أنواع الأذى ، ولهؤلاء نقول: رويدكم ، فإنّ المخالف أوّلًا إنسانٌ له كرامة الآدميّة ، فيجب أن يكون تعاملنا معه من منظار الشّفقة ، ثمّ بعد ذلك لا يغيب عن أذهاننا أنّ أذانا له يجب أن لا يكون على حساب آدميّته وحقوقه الإنسانيّة ، ولا يُتعدّى كذلك على خصوصيّاته من مالٍ أو عرضٍ إلاّ ما يكون حكمًا شرعيًّا قضائيًّا ، فهذا أمرٌ آخر .

قال المرّوذي (1) : ( سألت أبا عبدالله عن قومٍ من أهل البدع يُتعرّضون ويُكفّرون ؟ قال: لا تتعرّضوا لهم ، قلت: وأيّ شيء تكره أن يُحبسوا ؟ قال: لهم والداتٌ وأخوات ) (2) ، أرأيت العالم الّذي ينظر بعين الشّفقة لا الانتقام ؟ وذلك أمرٌ له في السّنّة أصل أصيل ، فقد همّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يحرّق على المتخلّفين عن صلاة الجماعة بيوتهم ، وبغضّ النّظر عن كونهم من المنافقين أولا فإنّه امتنع من ذلك فما السّبب ؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: ( لولا ما في البيوت من النّساء والذّرّيّة ) (3) .

(1) الإمام القدوة الفقيه المحدّث أبو بكر أحمد بن محمّد بن الحجّاج المرّوذي بتشديد الرّاء وكسر الذّال ، نِسبة إلى مرْو الرّوذي ، وأمّا النّسبة إلى مرو فهي المرْوَزي ، صاحب الإمام أحمد بل من أجلّ أصحابه سير أعلام النّبلاء 13 / 173 .

(2) الآداب الشّرعيّة لابن مفلح 1 / 257 .

(3) أخرجه أحمد 2 / 367 وأصله في البخاري ح644 ومسلم ح651 وغيرهما دون ذكر سبب ترك تحريق البيوت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت