الصفحة 20 من 136

ومن وجهٍ آخر فهو لم يتّخذ ما يعلمه من النّصوص حجّةً له في التّخاذل والقعود عن نصرة الدّين ، كان يمكنه الاتّكاء على نصوص الاستطاعة والتّقية كما نتّكىء نحن في هذا العصر ونتّخذ من تلك النّصوص ذريعةً في تركنا ما لابدّ لنا من الإنكار والتّوجيه ، قال البوشنجي: ( جعلوا يذاكرون أبا عبدالله بالرّقّة في التّقيّة وما رُوي فيها(1) فقال: كيف تصنعون بحديث خبّاب"إنّ من كان قبلكم كان يُنشر أحدهم بالمنشار لا يصدّه ذلك عن دينه"فأيسنا منه ) (2) ، وكان حجّته في هذا قوله: ( إذا سكتّ أنت وسكتّ أنا متى يعرف الجاهل الصّحيح من السّقيم ) ، وصدق رحمه الله ، فإذا سكت كلّ طالب علمٍ بحجّة التّقيّة وعدم الاستطاعة فمتى يُعرف الحق ؟ ثمّ اين نذهب بنصوص التّضحية والجهاد وبذل النّفس والعرض والمال في سبيل الله ، فليس المقصود من ذلك فقط في ساحة المعركة ، بل في أيّ وقت وزمان ومكان يكون فيه الصّدع بالحقّ ثمنه نفس الصّادع أو ماله .

فالتّقيّة إن صلحت لعامّة النّاس ، لم تصلح للعلماء ، وإن صلحت في موقف لم تصلح في آخر يكون في السّكوت مزلّة للأمّة وغشٌّ لها .

رقّة طبعه وشفقته

لم يكن رحمه الله جبّارًا قاسيًا ، بل كان له طبعٌ رقيق ، ونفسٌ شفّافة ، حتّى في معاملة أعدائه ، لم يكن تمسّكه بالسّنّة وغيرته عليها يعميه عن أصله الإنساني الإيماني ، فإنّ المؤمن رحمةٌ لكلّ النّاس ، ولا يأخذ البريء بذنب الجاني .

(1) يعني يحاولون إقناعه في اتّقاء شرّ المأمون بإعطائه ما يريد من القول بخلق القرآن .

(2) السّير 11 / 239 والحديث أخرجه البخاري في كتاب الإكراه ح6943 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت