فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 54

أما حفظ الحرمة عند المكاشفة: فهو ضبط النفس بالذل والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة . فإن المكاشفة توجب بسطا ويخاف منه شطحا إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة .

وأما تصفية الوقت من مراءاة الخلق: فلا يريد به أنه يصفي وقته عن الرياء فإن أصحاب هذه الدرجة أجل قدرا وأعلى من ذلك وإنما المراد: أنه يخفي أحواله عن الخلق جهده، كخشوعه وذله وانكساره ، لئلا يراها الناس ، فيعجبه اطلاعهم عليها، ورؤيتهم لها، فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله .

وكم قد انقطع في هذه المفازة من سالك . والمعصوم من عصمه الله . فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل ، وأنه لا شيء ، وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه. ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره ، وكان يقول كثيرا:"ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء".

وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت:

أنا المكدي وابن المكدي وهكذا كان أبي وجدي

وكان إذا أُثنى عليه في وجهه يقول:"والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت ، وما أسلمت بعد إسلاما جيدا". وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:

أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المسيكين في مجموع حالاتى

أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا من عنده ياتى

لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ... ولا عن النفس لى دفع المضرات

إلى أن يقول:

ولست أملك شيئا دونه أبدا ... ولا شريك أنا في بعض ذرات

والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي

وهذه الحال حال الخلق أجمعهم ... وكلهم عنده عبد له آتى

فمن بغى مطلبا من غير خالقه ... فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي

والحمد لله ملء الكون أجمعه ... ما كان منه وما من بعد قد ياتي" [1] "

خشوع النفاق

(1) انظر مدارج السالكين ج 1 ص 522- 525 وتهذيب مدارج السالكين ص 277

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت