فإن تساووا في الخصال المذكورة في الحديث نُظر إلى أتقاهم وأورعهم، فإن تساووا في التقى، أُقرع بينهم؛ والقرعة سبيل شرعي إلى فض التنازع عند المشاحة، وهي مذكورة في القرآن وفي السنة؛ ففي القرآن في قصة زكريا عليه السلام وتنازعهم أيهم يكفل مريم عليها السلام قال تعالى: { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } (1) . وفي السنة قوله صلى الله عليه وسلم: ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ... ) الحديث (2) . وقد مر معنا أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أقرع بين أناس تشاحوا في الأذان . قال بعض أهل العلم: والإمامة أولى (3) .
مسألة: كيف يجاب عن تقديم النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر للصلاة بالمسلمين في مرض موته، مع أن هناك في الصحابة من هو أقرأ منه ؟
الجواب: قال ابن قدامة: قيل لأبي عبد الله [ أي:أحمد بن حنبل] :حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( مروا أبا بكر يصلي بالناس) .أهو خلاف حديث أبي مسعود ؟ قال: لا، إنما قوله لأبي بكر -عندي- (يصلي بالناس) للخلافة، يعني أن الخليفة أحق بالإمامة، وإن كان غيره أقرأ منه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالصلاة يدل على أنه أراد استخلافه (4) .
(1) . سورة آل عمران (44)
(2) .رواه البخاري (615) ، ومسلم (932)
(3) .انظر: المغني (3/16)
(4) .المغني لابن قدامة (3/14)