كان أحد السلف إذا قهر بترك شهوة أقبل يهتز اهتزاز الرامي إذا قرطس، إذا قوي عزم المجاهدة لان له الأعداء بلا حرب، لما قويت مجاهدة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - تعدت إلى كل من تعدى فأسلم شيطانه.
يقول ابن القيم ــ رحمه الله ــ في إغاثة اللهفان: على المرء أن يحاسب نفسه أولًا على الفرائض فإن تذكر فيها نقصًا تداركه بقضاء أو إصلاح، ثم يحاسبها على المناهي فإن عرف أنه ارتكب منها شيئًا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية.
ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - يخلو بربه ذكرًا وصلاة وقيامًا وتسبيحًا وكذلك كان الصحابة والتابعون لهم وقفات مع أنفسهم يحاسبونها على ما فعلت ويقومونها فيما قصّرت ويتهمونها على ما فعلت، ويقفون بين يدي الله سبحانه وتعالى يسألونه العفو والمغفرة والرحمة على ما قصروا وهم يتذللون بين يدي العزيز سبحانه وتعالى محقرين من شأن أنفسهم.
ومن هؤلاء: صلة بن أشيم العدوي الذي روى في شأنه جعفر بن زيد قائلًا: خرجنا في غزاة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم، قال: فترك الناس عند العتمة ثم اضطجع فالتمس غفلة الناس حتى إذا قلت هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبة منه، فدخلت في إثره فتوضأ ثم قام يصلي فافتتح الصلاة قال: وجاء أسد حتى دنا منه، قال: فصعدت إلى شجرة، قال: أفتراه التفت إليه؟ أو وعذ به؟ حتى سجد، فقلت الآن يفترسه فلا شيء.
فجلس ثم سلم، فقال: أيها السبع: اطلب الرزق من مكان آخر، فولى وإن له لزئيرًا، أقول: تصدعت منه الجبال.
فما زال كذلك يصلي حتى لما كان عند الصبح جلس فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها إلا ما شاء الله، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار كما أسألك أن ترزقني الجنة، ثم رجع فأصبح كأنه بات على الحشايا وقد أصبحت وبي من الفترة شيء الله تعالى به عليم [1] .
(1) حلية الأولياء (2/240) بتصرف.