الصفحة 61 من 173

فإذا كان الكبر ناشئًا عن العلم كان صاحبه قدوة رديئة، ومثالًا سيئًا خاصة إذا دفعه الكبر إلى صفة ذميمة كالحسد والحقد وغيره، أما العلم النافع فهو الذي يربي الأنفس ويطهرها من الصفات الرديئة ويعرف العبد ربه ونفسه وخطر أمره؛ وهذا يورث الخشية والتواضع فيكون صاحبه مثالًا حسنًا في الناس وقدوة صالحة في الأقوال والأفعال.

وإن كان الكبر ناشئًا عن الجاه والسلطان فإن غالبه يفضي إلى شر أنواع الظلم وانتهاك المحارم من حقوق الله وحقوق العباد، فما ترتب عليه مظلمة أو ضياع حق فهو الكبر الضار، والله تعالى يقول: [إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ] [1] .

وقال بعض الحكماء: من برئ من ثلاث نال ثلاثًا: من برئ من السرف نال العز، ومن برئ من البخل نال الشرف، ومن برئ من الكبر نال الكرامة التواضع.

لكن المتكبر كالمغرور فكثيرًا ما تفوته الحقائق العلمية؛ لأنه تأبى عليه نفسه أن يأخذ الحق حيث وجده لذا قيل: يضيع العلم بين الحياء والكبر، ثم إن كان المتواضع تلميذًا يجد لطفًا وعطفًا من الأستاذ فلا يبخل عليه بمجهوده، ولا يشح عليه بفائدة؛ لأن التواضع يستلزم الأدب. يقول الشاعر [2] :

إن التواضع من خصال المتقي ... *** ... وبه التقيّ إلى المعالي يرتقي

ومن العجائب عجب من هو جاهل ... *** ... في حاله أهو السعيد أم الشقي

أم كيف يُختم عُمره أو روحه ... *** ... يوم النوى مستفل أو مرتقي

وقيل: إن أصول الخطايا كلها ثلاثة: الكبر وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره، والحرص وهو الذي أخرج آدم من الجنة، والحسد وهو الذي جرَّ أحد ابني آدم على أخيه.

فمن وقي شر هذه الثلاثة فقد وقي الشر، فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحرص، والبغي والظلم من الحسد.

(1) سورة لقمان من الآية 18.

(2) موارد الظمآن (4/152) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت