الصفحة 60 من 173

أغرك من ربك أيها المتكبر أن خولك جاهًا تجول فيه؟ أو غرّك منه أن منحك مالًا تصول به، والذي حملك على بغيك هذا نبأ المستكبرين. تا لله ما جاء نبؤهم إلا بسلطان الله؛ فطرد إبليس من رحمته، وأهلك فرعون على جرأته، وخسف الأرض بقارون لكفره بنعمته، فباءوا بالنكال وبئس مثوى المتكبرين، يا ابن آدم ما لك والكبر وأنى يكون لك؟ هل أنت في غشيتك وسكرتك لا تفيق؟ [1] .

انظر بقلبك قبل بصرك إذ أنت لم تدرك حكمة خالقك، فهلا أبصرت عيوب نفسك التي بين جنبيك؟ وهلا شممت نتن إبطيك؟ أو لا تزيل بيدك خبث فرجيك؟ فما أجهلك بنفسك وما أظلمك! والله لا يحب كل كفار أثيم، أتضع أيها المتكبر ولا ترتفع فما أنت إلا عبد أخرجك ربك من العدم، ورعاك في ظلمات الارحام وقومك في أحسن الصور، ألم تستمع إلى قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يصفك ويذكرك بأصلك فيقول: إن الإنسان أوله نطفة مذرة وآخر جيفة قذرة، وما بين الاثنين يحمل العذرة. وكأن مقصود علي رضي الله عنه أن الإنسان بين الحياة والموت مورد للأدران، ومجمع للأقذار فسبحان الله، ما أقدر من أحكم هذا الإنسان والله على كل شيء قدير.

فيا من يجر ذيل الكبرياء والخيلاء، ويكفر بنعمة الله، ويزدري الضعفاء قد وضح أمرك وتم نصحك، فما بالك لا تبالي بمهاوي الوبال، ولا ترجع عن سيئات الأعمال وأنت على نفسك بصير، يقول الله تعالى: [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [2] .

والكبر له أسباب كثيرة: فقد يكون عن صفة كمال كالعلم والنسب والجاه والسلطان، وربما نشأ عن غرورهم بحيث يعتقد أنه أكمل من غيره خطأ وجهلًا، وهذا برهان على نقصان عقله.

(1) موارد الظمآن (4/514، 515) .

(2) سورة القصص الآية 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت