والذي يجب أن يفهم من هذا الحديث أن الإيمان الصادق الكامل الذي يستحضر صاحبه أن كل أفعال الله لحكمة لا يجتمع مع الحسد الذي يغضب من فعل الله وقسمته.
عن ضمرة بن ثعلبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا) [1] ، وكأن المراد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن الخير يرتفع من الناس عندما يتحاسدون وكيف لا يرتفع منهم الخير وكل منهم يتمنى أن يزول الخير الذي عند أخيه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا...) [2] .
واعلم أخي المسلم أن الحسد قسمان:
أولهما: أن يتمنى المرء زوال النعمة من مال أو علم أو جاه أو سلطان عن غيره لتحصل له.
وثانيهما: وهو شرهما أن يتمنى زوال النعمة عن غيره ولو لم تحصل له ولو لم يظفر بها.
والحسد بقسميه محرم تحريمًا قطعيًا، والحسد نتيجة من نتائج الحقد وثمرة من ثمراته المترتبة عليه؛ فإن من يحقد على إنسان يتمنى زوال نعمته ويغتابه وينم عليه ويعتدي على عرضه ويشمت فيه لما يصيبه من البلاء، وكثيرًا ما ترى الحاسد ينقب عن مساوئ المحسود فيبرزها على صفة الذم فينتبه المحسود لها فيتجنبها كما قيل:
عُداتي لهم فضل عليّ ومنّةٌ ... *** ... فلا أذهب الرحمن عنّي الأعاياد
هموا بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... *** ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
ويقول آخر:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... *** ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار في جزل الغضا ... *** ... ما كان يعرف طيب العود
ويقول ثالث:
إني حُسدت فزاد الله في حسدي ... *** ... لا عاش من عاش يومًا غيرد
ما يحسد المرء إلا من فضائله ... *** ... بالعلم والظروف أو بالبأس والجود [3]
(1) رواه الطبراني في الكبير (8/369 ح8157) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/78) : رجاله ثقات.
(2) رواه البخاري (7/88) ، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر.
(3) موارد الظمأن (4/569) .