الصفحة 48 من 173

على مثل هذا القول الطيب تزداد أخلاق المسلم علوًا وسموًا، وإليك أخي المسلم بعض النماذج الحية والصور العظيمة في الإيثار فلقد وصل الإيثار أعلى مراحله بين المهاجرين والأنصار عندما آخى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين عبد الرحمن: يا عبد الرحمن أنا أكثر أهل المدينة مالًا ولي بستانان، ولي امرأتان، أرضى عندك حتى أطلقها لك.

ونقول: إن النفس البشرية ربما تسمح بالتنازل عن الماء وغيره إيثارًا لكن أشد ما يكون المرء حريصًا عليه هو عرضه... زوجته لا يسمح لغيره أن يقربها، لكن الإيثار وصل بالصحابة أن تتنازل أحدهم عن زوجته لأخيه المهاجرين، لكن عفة المسلم اتضحت جلية في قول عبد الرحمن بن عوف وهو يرد على أخيه سعد ابن الربيع قائلًا: بارك الله لك في أهلك ومالك ولكن دلني على السوق لكي أعمل وأتجر وأربح من عمل يدي [1] .

وصورة أخرى تبين المعنى العظيم للتضحية والفداء وهي أنه: في دار الندوة وافق مجلس شيوخ قريش بإجماع الآراء على الاقتراح المقدم من أبي جهل بالقضاء على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقتله واغتياله في منزله، وبلغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا القرار الغاشم وقد أذن له بالهجرة فعزم عليها وبحث عن من ينام على فراشه فوجد ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فعرض عليه الأمر فلم يتردد عليٌ في أن يقدم نفسه فداءً للرسول - صلى الله عليه وسلم - ونام وهو لا يدري متى تتخطفه السيوف لترمي به إلى المتعطشين إلى الدماء، وآثر الرسول بالحياة فضرب بذلك مع حداثة سنه وقتئذ أروع مثل في التضحية والفداء والإيثار وهكذا يؤثر المسلم على نفسه ويجود حتى بنفسه، والجود بالنفس أقصى غاية الكرم والإيثار.

(1) بتصرف يسير من صور من حياة الصحابة (4/42) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت