اللهم اجعلنا من الصابرين، وأجرنا في مصائبنا خيرًا وارزقنا الثبات عند البلاء، اللهم إنا نسألك الثبات على الإسلام والسنة وألا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ونعوذ بك من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الدرس الرابع عشر
الإيثار
الحمد لله الذي أعد الفلاح للمؤثرين الناس على أنفسهم، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي هو أرحم على الوليد من أمه، وأشهد أن نبينا محمدًا رسول الله علّم أصحابه الإيثار والأخوة وعدم حب النفس فسادوا الدنيا بأسرهم، أما بعد:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: أصابني الجهد فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا رجل يضيفه هذه الليلة، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا رسول الله.
فذهب إلى أهله فقال لا مرأته: ضيف رسول الله، لا تدخريه شيئًا، قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لقد عجب الله عز وجل أو ضحك من فلان وفلانة. فأنزل الله عز وجل [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] [1] .
فمن أخلاق المسلم التي اكتسبها من تعاليم دينه ومحاسن إسلامه الإيثار على النفس وحب الغير، فالمسلم متى رأى محلًا للإيثار آثر غيره على نفسه وفضله عليها، فقد يجوع ليشبع غيره، ويعطش ليروي سواه، بل قد يموت في سبيل حياة آخرين، وما ذلك بغريب ولا جديد على مسلم تشبعت روحه بمعاني الإسلام العظيمة، وانطبعت فيه نفسه بطابع الخير وحب الفضيلة، تلك هي صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة؟
(1) سورة الحشر من الآية 9.