الصفحة 45 من 173

وتتجلى أعلى مراحل الصبر في موقف أم سليم الرميصاء وهي أم أنس بن مالك لما مات لها ابن من أبي طلحة فإذا هي بقوة الإيمان والصبر الراسخ والثقة في الله التي لا تتزعزع تقوم فتغسّل لبنها وتكفنه وتسجيه بثوب وتضعه في ناحية من نواحي البيت وتهيئ العام لزوجها وتستقبله بالبشر ثم تهيئ نفسها لزوجها وعندما أصبحت بعدما قضى زوجها منها وطره تسأله ـ كما تقول رواية مسلم ـ قائلة: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك.

ونص الحديث هو ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (اشتكى ابن لأبي طلحة قال: فمات وأبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئًا ونحته في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح، وظن أبو طلحة أنها صادقة قال: فبات فلما أصبح اغتسل فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أخبره بما كان منها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما. قال سفيان: فقال رجل من الأنصار: فرأيت لها تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن) [1] .

فعلى ضوء هذه الصور الناطقة والأمثلة الحية من الصبر والتحمل يعيش المسلم صابرًا محتسبًا متحملًا، لا يشكو ولا يسخط ولا يدفع المكروه بالمكروه ولكن يدفع السيئة بالحسنة ويعفو ويصبر ويغفر، قال تعالى: [وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] [2] .

وقال بعض الصابرين: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري، وأصبر حتى يأذن الله في أمري، وأصبر حتى يعلم الصبر أني صابر على شيء أمرّ من الصبر.

(1) رواه البخاري (2/84) ، كتاب الجنائز، باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة.

(2) سورة الشورى الآية 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت