ولكي تبين الحقيقتان يقوم الصبر ومن أجلهما يطالب الدين به بيد أن الإنسان، ومن عادته تجاهل الحقائق، يدهش للصعاب إذا لاقته، ويتبرم بالآلام وإذا ما مسته، ويقوم له من طبعه الجزوع ما يبعض له الصبر ويجعله في حلقه كريه المذاق؛ فإذا أحرجه أمر، أو صدمته خيبة أو نزلت به كارثة، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وضاقت عليه الأيام مهما امتدت وحاول أن يخرج من حالته بأسرع من لمح البصر، وهي محاولة قلما تنجح؛ لأنها ضد طبيعة الدين والدنيا وأولى بالمسلم أن يدرب نفسه على طول الانتظار، قال تعالى: [خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ] [1] .
والصبر من عناصر الرجولة الناضجة والبطولة الصادقة؛ فإن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل، والمرء إذا كان لديه متاع ثقيل يريد نقله لم يستأجر له أطفالًا أو مرض أو خوارين، إنما ينتقي له ذوي الكواهل الصلبة والمناكب الشداد، كذلك الحياة لا ينهض برسالتها الكبرى ولا ينقلها من طور إلى طور إلا رجال عمالقة وأبطال صبارون، ومن ثم كان نصيب القادة من العناء والبلاء مكافئًا لما أوتوا من مواهب ولما أدوا من أعمال؛ فالأنبياء هم أكثر الناس بلاءً.
عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: (قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الارض ما عليه خطيئة) [2] .
(1) سورة الأنبياء 83، 84.
(2) رواه الترمذي (4/601، 602 ح2398) ، وقال: حديث حسن صحيح.