وهذا خباب بن الأرت يقول: (شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) [1] .
والصبر يقوم على حقيقتين هامتين:
أما الأولى فتتعلق بطبيعة الحياة فإن الله لم يجعلها دار جزاء وقرار بل جعلها دار تمحيص وامتحان والفترة التي يقضيها المرء بها فترة تجارب متصلة الحلقات يخرج من امتحان ليدخل في امتحان آخر، وقد يكتب الله على البعض صنوفًا من الابتلاء ربما انتهت بمصارعهم، وليس أمام الفرد إلا أن يستقبل البلاء بالصبر والتسليم، وما دامت الحياة امتحانًا فلنكرس جهودنا للنجاح فيها.
والحقيقة الثانية تتعلق بطبيعة الإيمان [2] .
فالإيمان صلة بين الإنسان وبين الله عز وجل وخضوع هذه الصلة للابتلاء ما هو إلا تمحيص لها؛ فإما أن يكشف عن طيبها وإما أن يكشف عن زيفها، قال الله تعلى: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [3] .
(1) رواه البخاري (4/51) ، كتاب الأنبياء، باب رقم 54.
(2) خلق المسلم، ص 158.
(3) سورة العنكبوت الآيتان 2، 3.