من خلال النصوص السابقة ترى أخي المسلم أن العفة خلق له أثر عظيم على منزلة المسلم عند الناس فإن هو يئس فيما في أيديهم أحبوه، وإن هو طمع فيما في أيديهم أبغضوه.
وترى أيضًا من خلال الأحاديث والآيات السابقة أن العفة لها مظاهرة كثيرة فمنها: العفة عما حرم الله بأن يكف عما لا يحل ويبتعد عن كل ما يغضب الله من زنا، وفواحش وغير ذلك، وأن يغض بصره ويستعفف حتى يرزقه الله عز وجل مؤونة الزواج؛ فيتزوج ويحصن نفسه، ومنها العفة عن المال الحرام والتي أمر الله بها في قوله: [وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ] [1] .
ومنها: العفة عما في أيدي الناس، فكن أخي المسلم عفيفًا مستغنيًا عما في أيدي الناس؛ لتبقى عندهم سيدًا محبوبًا جليلًا مهيبًا ينتفع بك، واعلم أنك إذا طمعت فيما في أيدي الناس فقد بعت دينك بدنياك وأصبحت لديهم محتقرًا مهينًا، ممقوتًا، ثقيلًا، مرذولًا، وهان عليك كل ما تلاقيه من أنواع الذلة والإهانة في سبيل الحصول على ذلك الحطام الفاني، وهذا يا أخي هو السقوط الذي لا خلاص منه والفقر الذي لا غنى معه.
فكن نزيه النفس عن شبه المكاسب واكتف بالميسور عن ذل المطالب؛ فإن شبه المكتسب إثم، وكدّ الطلب ذل، والأجر أجدر به من الإثم، والعزّ أليق به من الذل [2] ، وصدق من قال:
لا تخضعن لمخلوق على طمع ... *** ... فإنّ ذلك نقص منك في الدين
لن يقدر العبد أن يعطيك خردلة ... *** ... إلا بإذن الذي سواك من طين
فلا تصاحب غنيًا تستعز به ... *** ... وكن عفيفًا وعظم حرمة الدين
واسترزق الله مما في خزائنه ... *** ... فإن رزقك بين الكاف والنون
اللهم اغننا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك ولا تكلنا إلا إليك، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين حتى لا نذل، اللهم ارحمنا برحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك يا كريم.
(1) سورة النساء من الآية 6.
(2) هداية المرشدين، ص 97.