فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 55

الشرط الأول: العلم: وضده الجهل ، فلا تؤثر هذه المفسدات إلا إذا كان فعلها عالمًا أنها مفسدة لصومه ، وبناءًا عليه فمن فعل شيئًا وهو جاهل بحكمه فإنه لا شيء عليه وصومه صحيح والدليل على ذلك جميع الآيات التي فيها أن الله لا يكلف نفسًا إلى وسعها وإلا ما آتاها وأنه لم يحملنا جل وعلا ما لا طاقة لنا به ، وأنه يريد بنا اليسر ولا العسر والتخفيف لا الإثقال ، كل ذلك دليل على اشتراط العلم لثبوت التكليف لأن التكليف بما لا يعلم خارج عن وسع النفس وطاقتها وهو من العسر والإثقال والآصار والأغلال التي جاءت شريعتنا بوضعها ، ويدل عليه بخصوصه من السنة حديث عدي بن حاتم - - رضي الله عنه - - لما نزل قوله تعالى: ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) قال: فعمدت إلى عقالين أبيض وأسود وجعلتهما تحت وسادتي فجعلت آكل حتى تبينا فإذا الصبح قد طلع ، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبره بالحق وأن المراد بذلك نور القمر وظلمة الليل ) (1) ووجه الاستشهاد وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بقضاء ذلك اليوم الذي أكل في نهاره مما يدل على أنه عذره وسبب العذر هو عدم العلم أي أن عدي بن حاتم - - رضي الله عنه - - قد أكل وشرب وهو لا يعلم أنه بهذا الأكل والشرب يفسد صومه ظنًا منه صواب نفسه ، مما يدل على أن عدم العلم بأنه مفسد عذر في عدم ترتب أثره من فساد الصوم أو الإثم والقضاء ، ولكن ينبغي أن تعلم أن قضية الجهل لا بدلها أن تضبط بضابط مهم وهو أن يكون مثله يجهل ، وقد قررنا سابقًا أن رفع الجهل عن نفسه وتكاسل في ذلك وفرط فإن جهل هذا ليس بعذر في ترك مأمور ولا فعل محظور وأما إن كان لا يستطيع رفع الجهل عن نفسه لعذر ما فهذا هو الذي كون جهله عذرًا رافعًا للموآخذة ، وقد ذكرنا هذه المسألة بأوسع من هذا في كتاب المباحث الجلية في رد المسائل الخلافية

(1) أخرجه البخاري (4509) ، ومسلم (2533) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت