أقول: لقد طرحنا في تلقيح الأفهام أن العبادات المنعقدة بالدليل الشرعي لا تنقض إلا بالدليل الشرعي ، وأن العبادات تفتقر إلى دليل في أصل إثباتها وتفتقر إلى الدليل في إثبات صفاتها وشروطها وكذلك تفتقر إلى الدليل في إبطالها ، فليس باب إبطال العبادات مفتوحًا لكل أحد يقرر فيه ما يشاء وإنما هو باب توقيفي على الدليل الصحيح الصريح من الكتاب أو السنة الصحيحة أو ما تفرع عنها من الإجماع والقياس المستوفي لأركانه ، فمن زعم أن قولًا من الأقوال أو فعلًا من الأفعال مبطل لهذه العبادة فإننا نطالبه بالدليل لأن الأصل عدم الإبطال ومن خالف الأصل فعليه الدليل ، لأن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه ، ومن هذه العبادات الصيام ، فإنه عبادة دل الدليل الشرعي على أن حكمها ينعقد بالإمساك عن المفطرات بالنية من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس ، فحيث انعقد الصوم بالدليل الشرعي فإن الأصل استمرار حكمه وبقاؤه ومن ادعى أن حكمه ينتقض بكذا وكذا فإن قوله هذا موقوف على الدليل الشرعي فإن جاء به فعلى العين والرأس وإن لم يأت به فلا قبول ، وليس له حق أن يطالبنا هو بالدليل على عدم الإبطال لأن الأصل معنا ومن كان الأصل معه فإنه لا يطالب بالدليل ، وهذا الكلام من تعظيم حرمات الله وشعائره التي هي علامة تقوى القلوب نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل التقوى في الظاهر والباطن والسر والعلانية ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، فإن قلت: فما هي مفسدات الصوم التي دل الدليل الشرعي على أنها مفسدة ؟ أقول: إن أهل العلم - رحمهم الله - وأعلى نزلهم في الجنة وغفر لهم ورحم أمواتهم وثبت أحياءهم قد استقرؤا الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح فوجدوا أن هناك من المفسدات ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه اختلافا قد نصر الدليل أحد طرفيه وهناك مفسدات خاضعة للاجتهاد ولا ينكر على المخالف فيها وهي كما يلي:-