وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن قالا: القدس هو الله وروحه جبريل، أي روح من الأرواح التي خلقها الله. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس (بروح القدس) هو الاسم الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى، ونقل نحوه عن سعيد بن جبير وعبيد بن عمير.
وقال الربيع بن أنس: القدس هو الله تعالى، وقال السدي: القدس: البركة، وقال العوفي عن ابن عباس: القدس: الطهر، وقال ابن زيد: أيد الله عيسى بالإنجيل روحا كما جعل القرآن روحا. وقال الزمخشري: بالروح المقدسة: أي روح عيسى نفسه المطهرة.
والصحيح الأول وعليه الجمهور، وسمي عيسى روحا من الله؛ لأنه من الخلق الذين خلق أجسامهم وأرواحهم، وسمي جبريل روحا؛ لأنه روح مجردة من جسم محسوس، وهو مقدس أي منزه ومطهر عن المعاصي والمخالفات، فإن التقديس هو التطهير والتعظيم، كقول الملائكة:
{ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } أي نعظمك ونجلك وننزهك عن النقائص والمعائب.
"ما أحل عيسى لبني إسرائيل وكانت محرمة عليهم من قبل":
[س 19] : ما هي الأشياء التي أحلها عيسى -عليه السلام- لبني إسرائيل وكانت محرمة عليهم من قبل ؟
الجواب: لا شك أنه وقع منه إباحة بعض ما كان حراما قبل بعثته؛ بدليل قوله فيما حكي عنه في سورة آل عمران: { وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } قال ابن كثير [1] فيه دلالة على أن عيسى -عليه السلام- نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح من القولين. ومن العلماء من قال: إنه لم ينسخ منها شيئا، إنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه خطأ، وكشف لهم عن الغطاء في ذلك، كما قال تعالى: { وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } .
(1) انظر تفسير ابن كثير، سورة آل عمران (1 /314) .