فمن ذلك قصة عمر -رضي الله عنه- وهو خليفة حيث كان له امرأة ترغب أن تصلي في المسجد، وتحب ذلك وهو لا يحب منها ذلك، ولا يستطيع أن ينهاها عن الخروج إلى المسجد، فلما رآها محبة لذلك والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال:"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". فلم يجد بدًّا من الإذن لها، ولكنه تحيل عليها لكي يوقفها عن الذهاب، فترصد لها مرة في ظلمة من الليل، وهي خارجة إلى صلاة العشاء، فلما مرت به وعرفهما ضربها على ظهرها بيده وهرب؛ ليوهمها أنه من أهل الفساد. فرجعت إلى بيتها من ذلك الحين، ولم تخرج بعد ذلك أبدًا، فسألها: لماذا لا تخرجين إلى المسجد؟ فقالت: كنا نخرج والناس ناس، فأما الآن فالناس في صورة الذئاب. أو كما قالت رضي الله عنها.
فهذه غيرة أمير المؤمنين رضي الله عنه، وكانت المرأة أمينة وموثوقة.
فيجب على المؤمن أن يغار أشد الغيرة على محارمه، فلا يرخص لها أن تدخل إلى الأسواق التي تزدحم بالرجال ونحو ذلك، ولا يسمح لها أن تركب مع سائق منفردة به، أو يدعها تخلو في البيت بمن ليس بمحرم لها، وهكذا باقي الأسباب التي توقع في الفساد.
وهكذا يتبين أن غيرة المسلمين على نسائهم سبب لحمايتهن وحفظهن، وبروز المرأة وخروجها سبب للفتنة، لحديثه -صلى الله عليه وسلم- حين مر به نسوة وهو ذاهب إلى البقيع فقال لهن:"ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت" (1) .
فجعل من أسباب أمرهن بالرجوع أنهن سبب لفتنة الأحياء؛ لأن النظر إليهن سبب للوقوع في الفتنة التي هي مقدمة الفاحشة أو نحو ذلك.
(1) رواه ابن ماجه (8578) .