فجمع بين الأمرين: غض البصر الذي هو صرفه عما لا يجوز، وحفظ الفرج عن الفاحشة ومقدماتها؛ لأن الإنسان متى أطلق بصره فنظر إلى هذه المرأة وإلى الأخرى والثالثة والرابعة لم يؤمن أن يُفْتَنَ ويعلق بقلبه شيء من الإثم، أو شيء من الدوافع إلى الحرام، فتوسوس له نفسه بما رآه فيحدث من ذلك الحوادث.
كما يقول بعضهم في قوله:
كل الحوادث مبدأها من النظر * * * ومعظم النار من مستصغر الشرر
ولا شك أن الإنسان إذا أطلق بصره وقع بصره على عشرات النساء. فهل في استطاعته الاتصال بهن؟ لا وكلا.
وكذلك هل باستطاعته أن يملك نفسه ويصبرها ويحبسها عن مثل ذلك؟ لا..
كما قال بعضهم:
وكنتَ متى أطلقتَ طرفك رائدًا * * * لقلبك يومًا عذَّبتْكَ المناظرُ
رأيتَ الذي لا كله أنت قادرٌ * * * عليه، ولا عن بعضه أنت صابرُ
نرجع إلى حال الصحابيات -رضي الله عنهن- فقد ذكرت عائشة -رضي الله عنها- أنه لما نزل قوله تعالى: ? وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ? [ سورة النّور، الآية: 31 ] وقوله تعالى: ? يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ? [ سورة الأحزاب، الآية: 59 ] قالت:"خرجت نساء الأنصار وكأن على رؤوسهن الغربان"؛ لأنهن تسترن تسترًا واضحًا، وثبت أنهن إذا صلين بالمسجد كن في غاية الاحتشام. حيث ذكرت عائشة -رضي الله عنها-:"أن نساء يشهدنَ الفجر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- متلفعات بمروطهن فينصرفن لا يعرفهن أحد من الغَلَس" (1) .
وهكذا يجب أن تكون نساء المؤمنين في كل الأوقات. وكذلك على المسلم أن يأتي بالأسباب التي تحفظه، وتحميه من الوقوع في الآثام، فلا ينظر إلى ما حرم الله عليه سواء كانت امرأة بارزة أمامه أو صورتها: سواء كانت تلك الصورة في مجلة أو على شاشة، أو ما أشبه ذلك.
(1) رواه البخاري (578) ، ومسلم (645) .