فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 23

وكذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- شرع هذه المناسك لأمته، فوقف بعرفات وأفاض إلى مزدلفة وبات بمنى أربعة أيام: يوم العيد وثلاثة أيام بعده، وشرع لهم رمي الجمار كل ذلك ليبين للناس مناسكهم، وهكذا أيضا خطب بعرفة وخطب يوم العيد، وخطب في اليوم الأول من أيام التشريق، وشرع لهم طواف الوداع. كل ذلك ليعلِّم الناس مناسكهم وهو يقول:"خذوا عني مناسككم" (1) .

وكل عمل من هذه الأعمال فيه منفعة ومصلحة عظيمة للأمة، وأن المسلم يفعلها على أنها قربة وعبادة؛ فإذا تقرب إلى الله تعالى بالطواف بالبيت، شعر أنه يعظم ربه؛ وذلك لأن البيت بيت الله سبحانه، ويشعر حين يطوف بالبيت أن البيت بيت الله, وأن الله هو الذي أمر بهذا الطواف؛ ولأجل ذلك لا يذكر إلا ربه في هذا، فإذا تكلم تكلم بكلام حسن، وصان سمعه, وصان نطقه، فلا ينطق بسباب ولا بفحش ونحو ذلك؛ احتراما لهذا البيت، واحتراما لهذه البقعة.

ومن منافع الطواف العظيمة، تعظيم حرمات الله سبحانه؛ يقول الله تعالى: ? وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ? [ سورة الحج، الآية: 30 ] ويقول تعالى: ? وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ? [ سورة الحج، الآية: 32 ] .

لأجل ذلك نقول: إن الذي يطوف بالبيت يعتبر نفسه كأنه بين يدي الله سبحانه، خاشع متواضع متذلل؛ لأجل ذلك فالطائف إما أن يقرأ كلام الله ويتدبره، وإما أن يرفع يديه داعيا وسائلا ربه حاجاته، وإما أن يذكر ربه بأسمائه وبصفاته، فيتجلى ربه في قلبه, ويعظم عنده قدر ربه، فعند ذلك يعظم حرمات الله تعالى، فلا يرجع إلى ذنب كان يقترفه، ولا يرتكب أي منكر في بقية حياته.

(1) أخرجه البيهقي في السنن 5/125 عن جابر رضي الله عنه، وهو في صحيح مسلم (1297) عن جابر أيضا بلفظ لتأخذوا مناسككم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت