ولأجل ذلك يرجع الحاج إلى بلده وقد تأثر غاية التأثر بهذه المناسك وهذه المشاعر؛ ولهذا فقد ورد في بعض الآثار أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن قبّله فكأنما قبّل يمين الله، ومن استلمه فكأنه بايع الله وعاهده، فإذا استلم الركن اليماني أو الركن الذي فيه الحجر الأسود كان ذلك معاهدة منه لله، كأنه يقول: أعاهدك يا رب ألا أعود إلى ذنب ولا أخل بطاعة، ولا أرتكب معصية، ولا أتخلف عن أمر من أوامرك، ولا عن شريعة من شرائعك، أعاهدك على أن أكون عبدا عابدا في بقية حياتي.
هكذا ينبغي أن يكون أثر وفائدة ومنفعة هذه العبادة.
ومن منافع هذه العبادة كذلك أنه إذا ابتدأ هذا الطواف لأول مرة فإنه يبدأه وهو نشيط؛ ولأجل ذلك شرع في أول طوافه أن يظهر النشاط، فيُسَنُّ الرمل في طواف القدوم، أو طواف العمرة -وهو الإسراع في المشية- لإظهار النشاط في العبادة، ولإظهار الجلد، أو لتذكر حالة الذين طافوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم يرملون ذلك الرمل.
كل ذلك من منافع هذا الطواف.
ومن المنافع أيضا أن من سنن الطواف أنه يبدي منكبه الأيمن وهو ما يسمى الاضطباع؛ وذلك أيضا لإظهار القوة وإظهار الجلد، وإظهار النشاط في هذه العبادة، فإذا أظهر ذلك كله كانت العبادة سهلة يسيرة عليه، يسهل عليه بعد ذلك كل صعب من العبادات التي يتعبد بها.
ومعلوم أيضا أن الطواف يشتمل على صلاة ركعتين ذكرها الله تعالى: ? وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ? [ سورة البقرة، الآية: 125 ] وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، فلما طاف بالبيت أتى إلى مقام إبراهيم وصلى ركعتين، وتلا هذه الآية: ? وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ? [ سورة البقرة، الآية: 125 ] .