ومعلوم أن العبادات مبنية على التوقيف، ومقتصر فيها على ما دلنا عليها كتاب الله تعالى، وعلى ما بينه لنا رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك نلتمس الحكم والمصالح في كل أمر، وفي كل فعل شرعه الله، كما التمس ذلك العلماء من قبلنا، فإن لم نجد قلنا: هذا تعبّد مما أمرنا به، والتعبّد هو التقرب إلى الله تعالى بجنس العبادة -وإن كنا لا نفهم الحكمة فيها- والزيادة في العبادة أمر وارد.
فقد ورد أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يزيدون في تلبيتهم, فيقولون: لبيك حقا حقا، تعبّدا ورقًّا. فجعلوا من التلبية والإحرام تعبدا أي: تذللا ورقا لله سبحانه وتعالى, فهناك عبادات تعبدية لم تعرف الحكمة من مشروعيتها, فإذا قال قائل:
لماذا خُصَّت الكعبة بأن يطاف بها، فالكعبة بناية كسائر البنايات، فهي مبنية من حجارة، ومن طين ونحو ذلك، ومكسية بهذه الكسوة، فلماذا تميزت بأنها تستقبل في الصلوات؟ ولماذا تميزت أيضا بأنها يطاف بها هذا الطواف؟ وتُستلم الأركان التي في الجهات الجنوبية؟
والجواب: أن الله سبحانه وتعالى حكيم في أمره، فقد شرع في المناسك الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وكذلك أمر بتكميل المناسك بقوله: ? فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ? [ سورة البقرة، الآية: 198 ] وأمر بقوله: ? وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ?
[ سورة البقرة، الآية: 203 ] .