وغاب عنهم أن الصحابة ومن بعدهم من أئمة المسلمين لم يعتقدوا هذا الاعتقاد، ولم يفعلوا معه ما يدل عليه، فلو كانوا يعتقدون فيه هذا النوع لتهافتوا إلى قبره يطلبون منه المدد والإعطاء، فكم نزلت بهم من مصيبة وكم وقعت من فتنة كوقعة الحرة ونحوها، وكم سلط عليهم الأعداء، ولم يحفظ أنهم جاءوا إلى القبر مستنصرين، ولا فزعوا إلى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قائلين: المدد يا رسول الله، ولو كان هذا اعتقادهم لتوافدوا إلى قبره أفواجا وأقبلوا إليه من كل حدب وصوب زرافات ووحدانا.
فلما لم يفعلوا عرف أن هذا الاعتقاد إنما هو من بدع المتأخرين؛ حيث أوقعهم الشيطان في ذلك الاعتقاد السيئ ونتائجه الشركية، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولقد كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يطلبون منه الدعاء في حياته بالغيث وإنزال المطر ورفع العذاب، وبالمغفرة والجنة وبسعة الرزق وطيب الحياة، فيدعو الله لهم ويجيب الله دعاءه؛ لكرامته عليه ولفضله وشرفه، وليكون ذلك من جملة معجزاته، فأما بعد موته فلم يطلبوا منه شيئا من ذلك أبدا.
بل لما قحطوا عام الرمادة توسلوا بعمه العباس ـ رضي الله عنه ـ (1) ؛ لشرفه وكبر سنه وقرابته من النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فطلبوا من الله أن يجيب دعاءه لهم؛ لأنه حي موجود بينهم، ولم يتوسلوا بالنبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ؛ لأنهم عرفوا عدم جواز ذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
« الإقسام بذات الرَّسول ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ على اللَّه » :
خامسًا: لا يجوز الإقسام بذات الرّسول ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ على اللَّه، أو السؤال بحقه أو بجاهه.
(1) رواه البخاري كما في الفتح: 2/574 - برقم (101) ، في الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا. عن أنس رضي الله عنه.