22)فإن كان هذا يقال في فاعل الشرك ذاته، ولا يُجزم بكفره إلا بعد قيام الحجة عند الإمامين، فما بالك بمن عذره لسبب رآه، إلا أن يكون بلا سبب، مع تيقنه من وقوع الرجل في الشرك الأكبر عينًا مع بيان إقامة الحجة عليه؟ وهذا القول في العاذر لم يأت به أيّ من الإمامين بهذا القطع الجازم إلا الشيخ الحازميّ، هداه الله. فإن التزم الشيخ الحازميّ بنص كلام شيخ الإسلام محمد بن هبد الوهاب في موضع ما، وإن كان يمكن الجمع بينه وبين غيره من نصوصه الأخرى والقاعدة الصحيحة التي ارتضاها الحازميّ لنفسه، فلا أدرى فيما كان كلّ حديثه هذا عن التزام الحقّ ولو خالف الأئمة.
تنبيه
23)والفرق بين هذا وبين ما قرره الشوكاني"وفيه منع قتل من قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا، بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه" [1] ، واضحٌ بيّن، إذ هذا الناطق بالشهادة كان مرتداّ أصلًا ثم طرأ عليه ظاهر إسلامٍ، وهذا الذي نتحدث عنه، مسلمٌ أصلًا قائمٌ بالفروض، لكن طرأ عليه كفرٌ. وحديث أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلى الْحُرَقَةِ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمّا غَشِينَاهُ قَالَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، فَكَفَّ الأَنْصارِيُّ عَنْهُ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحي حَتّى قَتَلْتُهُ؛ فَلَمّا قَدِمْنَا، بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: يا أُسامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَما قَالَ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، قُلْتُ كَانَ مُتَعَوِّذًا؛ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى تَمَنَّيْتُ أَنّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ"رواه مسلم. ويدلّ هذا الحديث على قوة أثر العارض الذي طرأ على كفر هذا الرجل بنطقه بالشهادة، لكنه يدلّ كذلك على استصحاب الأصل فيه، فلم يقل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسلم، ولذلك لم يُقتل أسامة به، لأن الأصل فيه الكفر رغم العارض. وهكذا في موضع بحثنا، فيمكن القول بأنّ الأصل أن هذا الفاعل للشرك أصله على الإسلام، وطرأ عليه عارضُ الكفر، فلا يكفّر إلا بعد إقامة الحجة، وهو مذهب شيخي الإسلام كما قلنا. وإن سلّمنا بكفره لأثر الاستمرار، فكيف بمن رأي هذا عذرًا موقوتًا له؟! أيكفُر هذا العاذر؟!"
24)وحتى نبيّن الفروق التي ذكرنا في موضوع العذر بالجهل، نقول، إن الناس في الإعذار على أربعة أقوال:
(1) "نيل الأوطار"للشوكاني في جـ 8 ص 12.
(2) بداية الشريط الثالث، في الردّ على الفتوى التونسية