فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 721

وسلوكياَ وإسلاميًا، إلى درجة لم يعد يقبل إلا حكم الغاب. فالحكم العاديّ الذي فيه العدل والرحمة والمساواة لم يعد يليق به، بل أصبحت غالبيته الساحقة المطلقة تنفر منه، فهي تريد الرشوة وتمجد المحسوبية وتعيش على الفهلوة في الكسب، وتريد الشهوات متاحة ومباحة بكل أشكالها، وتعظّم السلطة والزي العسكري، لا حرمات الله. إنه ذات الشعب الذي خضع لفرعون وكليوباترا، ثم للفتح الإسلاميّ، ولا أظن أنّ الغالبية العظمى منه دخلت الإسلام إلا خوفًا وطمعًا، والدليل هو الردة الصريحة لدى غالبيته الساحقة المطلقة هن تصورات الإسلام ودفاع نفس الغالبية الساحقة المطلقة عن النصاري"إخواننا في الوطن"! إنّ ما حدث في مصر على يد السيسي ليس إنقلابًا، بل هو إعادة للأمور إلى نصابها حسب قانون الأغلبية الساحقة. إنّ ما حدث على يد مرسي كان هو الانقلاب، انقلاب الأقلية على الأغلبية المطلقة الساحقة، بلا خلاف من عاقل. وحديثي هنا عن الغالبية الساحقة المكلقة، لا على كلّ فرد بلا استثناء.

"وَمَا ظَلَمُونَا وَلَاكِن كَانُوا? أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"البقرة 57

د طارق عبد الحليم 16 شوال 1435 - 12 أغسطس 2014

(156)فائدة: أصل الاضطراب في الأحكام والفتاوى

كتبنا سابقًا، أن أصل الخلط في الفتاوى والأحكام الشرعية، سواءً عند العامة ممن يتحدث فيما ليس له به علم، أو عند طلاب علم لم يتحققوا به، هو إتباع العمومات والكليات والمطلقات في الشريعة، دون معرفة مخصّصاتها أو جزئياتها أو مقيداتها. وهذا المنحى هو أخطر ما يمكن أن يتعرض له متحدث في دين الله، عالمًا كان أو طالبَ علمٍ، أو جاهلًا، كلهم سواء. فإن الحديث عن الولاء والبراء، مثلا، يجب أن يُخصّص بما ورد في الشريعة، كما بيّنا في مقال لنا، بأمور مثل العهد والميثاق. والحديث عن العمومات والكليّات والمُطلقات، يتعلق بأمرين، أولهما ما ورد في الشريعة من تلك المخصّصات والمقيدات والجزئيات، والثاني هو ما يتعلق بالمناطات المختلفة التي تتعلق بها تلك الأحكام العامة أو المطلقة أو الكلية. وكلاهما يحتاج إلى نظرٍ دقيق فاحص، له عِلم بالشريعة وتفاصيل أحكامها، وأصولها، وله علم بالمناطات الواقعة، فيما سبق من فتاوى، وفيما هو واقع منها في الحال، وفيما يراه قادمًا في المآل. وهذا أمر تُصرَف في تحصيله أعمار، من ثمّ لا يجب أن يخوض في حديثه أغمار. ولو عرف هؤلاء الأغمار، ممن فتحت لهم قيادات من مرضي النفوس، أبوابًا للإفتاء، بناء على أنّ العلماء لا قيمة لهم، فهاك الكتاب والسنة، وقِس على ذلك! ووالله الذي لا إله إلا هو لو سألت أحدهم عن أركان القياس ما عرفها، أو أوصاف العلة وأنواع المناسبة، والطرد والدوران والسبر والتقسيم، لزاغت عيونه وجفّ حلقه قبل أن يسمع ما تقول. لكنّ هؤلاء هم من تسمعهم يسبّون العلماء، ويتبعون كلّ ناعقٍ بعلم، ممن"تمَشْيَخ"قبل أن"يَتطلّب"، فكانت البدع، وخاصة الحرورية منها، فسبيلهم لتوسيع دائرة متبعيهم هو إيهامهم أنْ لا سلطة لعالم، ونحن رجال وهم رجال، وهذا اللون من الهَوَس البِدعيّ المُخالف لنصوص الكتاب والسنة. ... د طارق عبد الحليم

17 شوال 1435 - 13 أغسطس 2014

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت