الباب الثاني، فقال الحاجب: نَعْلَيْك. فلم ألتفِت، ودخلت إلى الباب الثالث، فقال: يا شيخ نَعلَيك. فقلت: أبِالوادِ المقدَّس أَنَا فأخلع نَعْلَيَّ!؟.
فدخلت بنعلي، فرفع مجلسي فجلست عَلَى مُصَلَاه، فقال: أتعبناك أَبَا جعْفَر.
فقلت: أتْعَبْتني وذعَّرْتَني، فكيف بك إذا سُئلتَ عنيّ؟ فقال: ما أردنا إلَا الخير، أردنا أن نسمع العِلْم.
فقلت: وتسمع العِلْم أيضًا؟ ألَا جئتني؟ فإنّ العلم يؤتي ولا يأتي.
قَالَ: تعبت أبا جعفر؟
فقلت له: خلبتني بحُسْن أدبك، أكتُب.
قَالَ: فأخذ القِرْطاسَ والدَّواة، فقلت: أتكتب حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِرطاس بمدادٍ؟
قال: فيما يكتب؟
قلت: في رق بحبر.
فجاؤا بَرقٍّ وحِبْر، فأخذ الكاتب يريد أنْ يكتب فقلت: أكتُب بخطّك. فأوما إليَّ أَنَّهُ لَا يكتب.
فأمليت عَلَيْهِ حديثين أسخن اللَّه بهما عينيه. فسأله أبن البَنّا أو ابن النُّعْمان: أي حديثين؟ فَقَالَ حَدِيثَ:"مَنِ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً فَلَمْ يُحِطْهَا بِالنَّصِيحَةِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ"1. وَالثَّانِي:"مَا مِنْ أَمِيرِ عَشْرَةٍ إِلا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولا"2.
تُوُفِّيَ سنة ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ.
9-أَحْمَد بْن جُبير الأنطاكيّ3. أَبُو جعْفَر المقرئ.
1"حديث ضعيف": أخرجه أحمد"5/ 27"، وابن سعد"1/ 2/ 19"، في الطبقات الكبرى، وانظر المغني"2/ 341"للعراقي.
2"حديث صحيح": أخرجه أحمد"2/ 431"،"5/ 285"، والدارمي"2/ 240"، وابن أبي شيبة"12/ 219"، في مصنفه، والطبراني"6/ 27"، في الكبير، و"11/ 411"، والبيهقي"3/ 129"،"10/ 95، 96"، في سننه الكبرى عن أبي هريرة، وسعد بن عبادة، وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
3 معرفة القراء"1/ 207، 208".