18 ـ بَاب الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ
وَمَا يَلبَسُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَتَرَجَّل وَيَدَّهِنَ
وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا يَشَمُّ المُحْرِمُ الرَّيْحَانَ وَيَنْظُرُ فِي المِرْآةِ وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُل الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَقَال عَطَاءٌ يَتَخَتَّمُ وَيَلبَسُ الهِمْيَانَ وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَدْ حَزَمَ عَلى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ وَلمْ تَرَ عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا بِالتُّبَّانِ بَأْسًا للذِينَ يَرْحَلونَ هَوْدَجَهَا (1)
(1) هذه من الآثار ، أولا الطيب للإحرام لا شك أنه سنة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتطيب عند إحرامه ويبقى الطيب ، قالت عائشة: ( كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ) في هذه الحال يا جماعة إذا بقي الطيب على رأسه ويُنظر إلى وبيصه لمعانه وأراد يتوضأ لابد أن يمسح الرأس ، وإذا مسح الرأس لا بد أن يعلق الطيب في يده ، فهل نقول: إنه يفعل ويفدي ؟ لأنه تطيب تعمد التطيب ، أو نقول إنه لا يمسح رأسه ويتيمم ، أو نقول يمسح ولو علق الطيب بيده لأنه لم يتعمد الطيب ابتداءً ؟ الثالث: أنه لابد لكن لا يتعمد أن يفرك رأسه جدًا حتى يلصق أكثر . وهذا والحمد لله دليله فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يُرى وبيص المسك في مفارقه ويغتسل ويكون برأسه هكذا .. وهو محرم .
( وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل ويدهن ) معلوم أن المحرم إذا أراد أن يحرم يلبس الإزار والرداء ، هذا هو المشهور حتى يبقى الحجيج كلهم على لباس واحد ( ويترجل ويدهن ) يترجل: يعني يسرح الشعر ، ويدهن: يدهنه لكن بشيء ليس فيه طيب أو بشيء فيه طيب ؟ حتى لو كان فيه طيب ، الرسول كان يتطيب في رأسه ولحيته عليه الصلاة والسلام .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( يشم المحرم الريحان ) وهذه المسألة مختلف فيها ، هل يجوز للمحرم أن يشم الطيب أو لا ؟ بعضهم قال إنه لا يجوز مطلقًا ، وبعضهم قال يجوز مطلقًا ، وبعضهم فصَّل قال إن احتاج إلى ذلك كرجل وقف عند عطار وأراد أن يشتري منه طيبًا فله أن يشمه ليعرف الطِيب الطَيِّب من الرديء . وهذا القول وسط لأنه أولًا تركه أحوط لا شك لأن الطيب إذا شمه الإنسان يجد نشوة وفرحًا وتحركًا في بدنه لكن إذا احتاج إلى ذلك فلا حرج . أما ظاهر المعروف عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يشمه ولا حرج عليه .
( وينظر في المرآة ) لماذا ؟ يصلح ما كان عنده من شعر ويتجمل (ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن ) يعني له أيضًا أن يأكل الطعام الطيب وكذلك الأدوية ؛ لأن هذا ليس من محظورات الإحرام والأصل الحل والإباحة .
(وَقَال عَطَاءٌ يَتَخَتَّمُ وَيَلبَسُ الهِمْيَانَ) يتختم يعني يلبس الخاتم ، ( ويلبس الهميان ) الهميان هو الشنطة التي يجعل فيها الإنسان النفقة ويحزمها على بطنه ، يعني لا بأس بها ، وإذا رجعنا إلى الوقت الحاضر قلنا الساعة في اليد كالتختم تمامًا ، وعلى هذا فيجوز للمحرم أن يلبس ساعة اليد ولا حرج فيها . ونحن نأخذ من حديث ابن عمر ( ما يلبس المحرم ، قال: لا يلبس كذا وكذا ... ) معناه ما عدا ذلك يلبسه . وعطاء هو شيخ أهل مكة وهو أعلم الناس بالمناسك لأنه في مكة ويعرف كثيرًا من أحكام المناسك وهو مرجع في هذا الباب .
وقال: ( وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَدْ حَزَمَ عَلى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ ) يعني حزم بثوب والمراد بالثوب هنا القطعة من القماش ، يعني وعليه لا حرج أن يربط الإنسان على بطنه شيئًا وهو محرم ( وَلمْ تَرَ عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا بِالتُّبَّانِ بَأْسًا للذِينَ يَرْحَلونَ هَوْدَجَهَا ) التبان: هو سروال قصير يستر العورة وما قرب منها من الفخذ ، عائشة لا ترى في هذا بأسًا كأنها تريد أن تحمل من لم يجد إزارًا فلبس السراويل أنها السراويل المعتادة الطويلة وأن هذا فلا بأس به . هذا رأيه رضي الله عنه ولكن الذي يظهر أنه لا يجوز أن يلبس الإنسان التبان إلا عند الضرورة ، إذا اضطر إلى هذا فلا بأس ، ويمكن الضرورة للتبان فيما إذا كان من الناس الذين تتسلخ جنوب أفخادهم مع المشي ، لأن بعض الناس يكون إذا مشى وليس عليه سراويل تتسلخ جنوب فخذهم ، فهذا ضرورة يلبس .
وإذا جاز للضرورة فهل يلزمه فدية أو لا ؟ أجيبوا ؟ على قولين لننظر القاعدة أن المحرم إذا احتاج إلى فعل شيء من المحظورات فله فعله ويفدي، كما فعل كعب بن عجرة رضي الله عنه حين أصابه الأذى في رأسه فحلق وفدى ، ولكن مسألة اللباس أولًا في لباس المخيط أو في لباس القميص أو السراويل هل فيه فدية ؟ أجيبوا يا جماعة ؟ نقول لا ليس فيه فدية ، من قال إن هذا اللباس فيه فدية ، من قال هذا ؟ والله تبارك وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا ويقول جل وعلا: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا فأين في الكتاب أو السنة أن من لبس قميصًا وهو محرم أو سراويل وهو محرم فعليه فدية ؟ أو تطيب وهو محرم فعليه فدية ، أين هذا ؟ ما فيه ، بعضهم قاسه على حلق الرأس وقال الجمع بينهما أو العلة الجامعة أن في كل منهما ترفهًا . فيقال: من قال إن علة منع الحلق هو الترفه ، من قال هذا ؟ فالذي يظهر أن علة المنع في حلق الرأس للمُحرم هو أن يبقى ليتم به النسك ؛ لأن شعر الرأس يتعلق به إيش ؟ نسك يتعلق به نسك إما حلق أو تقصير ، وإذا حلقه سقط هذا النسك وغيره لا يساويه ، ثم نقول أليس يجوز للمحرم أن يدهن ، أليس يجوز أن يغتسل ، أليس يجوز أن يزيل الوسخ ، أليس يجوز أن يبقى في خيمة مكندشة ؟ مكندشة يعني إيش ؟ ذات كوندشان ، كل هذا جائز وفيه ترفه ، فالقول بأن علة تحريم حلق الرأس هو الترفه قول لا دليل عليه ولا ينضبط . فالذي نرى أنه لا فدية في جميع المحظورات إلا ما دل عليه الشرع لأنه لا يمكنا أن نلزم عباد الله شيئًا لم يلزمهم الله عز وجل . لكن إن قال قائل: من باب تربية الناس واحترامهم للشعائر ألا يحسن أن نلزمهم والفدية قليلة والحمد لله الفدية هي صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو إيش؟ أو إكسائه ؛ لأن جميع محظورات الإحرام تنقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: لا فدية فيه حتى على المذهب وهو عقد النكاح .
والقسم الثاني: فديته جزاؤه وهو الصيد .
والقسم الثالث: فديته التخيير بين ثلاثة أشياء وهو فدية حلق الرأس .
والقسم الرابع: ما لم يُذكر فيه فدية قالوا يُلحق بفدية الرأس فتكون فديته على التخيير ، يدخل في ذلك تقليم الأظفار على القول بأنها من المحظورات، ويدخل في ذلك المباشرة بغير الجماع .
بقي الخامس الجماع فديته إيش ؟ بدنة .