على أن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج هو الوجوب، ولا يخرج عن ذلك إلا بدليل، وأقاموا هذا الأصل على أن أفعاله - عليه الصلاة والسلام - إنما هي بيانٌ للمجمل الوارد في قوله عليه الصلاة والسلام:"خذوا عني مناسككم"، وهذا الحديث المجمل يدل على الوجوب، ويكون في حكمه ما فصِّل بيانه بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يخرج عن ذلك شيء إلا بدليل آخر يدل على عدم الوجوب.
إلا أنه يبقى:
أن الاستدلال به بحسب هذه الطريقة مشكل جدًا؛ لأنه لا يعلم أحدٌ من أهل العلم طرد هذه القاعدة في أعمال الجج، وكل العلماء قائلون باستحباب ما هو من أعمال الحج مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأت فيه دليلٌ صارفٌ في المسألة، وعلى رأس هؤلاء القائلين بالاستحباب في هذه المسائل: المحتجون بالقاعدة السابقة.
ولذلك فقد اعتبر هذا الشوكاني منهم تحكمًا مع أنه قائلٌ بمقتضى هذه القاعدة، إلا أنه لا يُدرى كذلك هل طردها الشوكاني من الجهة التطبيقية مع أنه أكد عليها من الجهة النظرية؟ المقطوع به أنه توسَّع في اعتبارها.
أيًا كان؛ فإن الإسراف في اعتبار هذه القاعدة يفارق عمل الأئمة، وموقِعٌ ولا بد في الشذوذ، وخرْق مواقع الإجماع، وبيان ذلك فيما سيأتي من المباحث.
أما الأئمة الذين استندوا إلى هذه القاعدة في إيجاب كثير من مناسك الحج مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فهم على مراتب:
1 -منهم من وسَّع دائرة الواجبات في الحج، اعتبارًا بهذه القاعدة، وإن لم يقع منهم الاطراد في اعتبارها، واعتذروا عما لم يعملوا فيه هذه القاعدة بوجهٍ من الدليل، ليس بالضروري أن يكون بمنزلة الدليل الصارف الذي يصلح أن يكون استثناء من ثقل هذه القاعدة.
2 -ومنهم من اعتبرها، لكنه احترز عن طردها بتمييز ما يصح إطلاق النسك عليه من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، التفاتًا إلى أن الواجب من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو ما كان نسكًا، وادعى بعضُهم على