أن الله لم يأمر بذلك الطواف ولا رسوله ولا اتفق الجمع على وجوبه سنة ( [9] ) .
والقول الأول أصح وأقيس والله أعلم." ( [10] ) "
قلت: العجيب أن جمهور أهل العلم القائلين باستحباب طواف القدوم هم من جملة المحتجين بالحديث السابق في تقرير واجبات الحج، ومع ذلك لم يعملوه ههنا، ولم يظهر لي مما ذكروه جوابٌ تام يصلح أن يكون عذرًا في عدم إعمالهم له في هذا الموضع.
ويبدو كذلك:
أن الإمام مالكًا رحمه الله هو أكثرهم إعمالا لهذه القاعدة، ظهر هذا بوضوح في طواف القدوم وفي إيجابه للتلبية بخلاف الجمهور فيهما، وقل مثل ذلك في اشتراطه في صحة الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرم، كما تقدم نقله عن ابن بطال رحمه الله.
ويقول ابن عبد البر رحمه الله في تقرير وجوب السعي على مَنْ نازع فيه:
"فالحجة عليه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بدأ بالصفا وختم بالمروة في السعي وطاف بالبيت على رتبته، ثم قال:"خذوا عني مناسككم"، والحج في الكتاب مجمل، وبيانه له كبيانه لسائر المجملات من الصلوات والزكوات إلا أن يجمع على شيء من ذلك فيخرج بدليله، وبالله التوفيق." ( [11] )
قلت:
نلاحظ هنا اعتراف ابن عبد البر بأنه يعمل هذه القاعدة ما لم يكن في المسألة إجماع، وهذا ما أشرتُ إليه في مراتب الأئمة في طريقة تناول هذه القاعدة، وأنها لم تخل من نوع تقييد، وتمثل القيد ههنا بالإجماع.
وعمومًا فهذا ملتئم أيضًا مع موقف ابن عبد البر رحمه الله من قول الجمهور الذي يرى أن الحجة تقع بإجماعهم، وأنه لا يجوز مخالفتهم.