وقال تعالى: { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } [القيامة: 36] لا يؤمر ولا ينهى، وقال في الآية الأخرى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ } [البقرة: 21] . أي: وحدوه فقد أمرهم بما خلقوا له وأرسل الرسل بذلك.
وقد أخبر أنه سبحانه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، قال تعالى: { مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } [الذاريات: 57] .
وأمر الله الناس بعبادته وحده لا شريك له، وترك ما سواه، قال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [النحل: 36] .
قال ابن القيم: الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
فالمعبود كالأصنام، والمتبوع كالكهان والسحرة، والمطاع كالأمراء إذا أمروا بمعصية الله، وأخبر تعالى أنه بعث في كل طائفة وقرن وجيل من الناس رسولا منذ حدث الشرك في قوم نوح إلى أن ختمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - يأمرهم: { أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } أي: وحدوا الله بالعبادة واتركوا وفارقوا عبادة ما سواه، ولهذا خلقت الخليقة وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وفي قوله تعالى: { اُعْبُدُوا اللهَ } الإثبات، وقوله: { وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } النفي وهذه طريقة القرآن يقرن النفي بالإثبات، فينفي ما سوى الله، ويثبت عبادة الله وحده، والنفي المحض ليس بتوحيد وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا هو حقيقة التوحيد.
وفي الآية بيان عظم شأن التوحيد، وإقامة الحجة على العباد، فمن عبد الله ولم يكفر بالطاغوت فليس بموحد، وما أكثر الجهل بذلك في هذا.
الزمان فمن يعبد الله، وهو لا يعتقد بطلان عبادة القبور فهو غير موحد.