وقال عز وجل في الآية الأخرى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [الإسراء: 23] الآية.
أي: أمر ووصى وأوجب على ألسن رسله أن يعبد وحده دون ما سواه، والمراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي الديني، واشتملت هذه الآيات على جملة الشرائع، وابتدئت بالتوحيد فدل على أنه أوجب الواجبات، إذ لا يبتدأ إلا بالأهم فالمهم، وختمت الآيات بالنهي عن الشرك، فدل على أنه أعظم المحرمات، وثنت بالإحسان إلى الوالدين، فقد قرن الله سبحانه الإحسان إليهما بعبادته، جل وعلا، للتنبيه على فضلهما وتأكيد حقهما وأنه أوجب الحقوق بعد حق الله، تعالى فالبر بهما من أسباب دخول الجنة، ولم يخص سبحانه نوعا من أنواع الإحسان إليهما ليعم جميع أنواعه؛ من لين الكلام والدعاء لهما وغير ذلك.
وقال تعالى: في سورة النساء: { وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } [النساء: 36] .
أمر من الله سبحانه لعباده بعبادته وحده لا شريك له، فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه، وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا وقرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه، فدلت على اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، فأعمال العبد من صلاة وزكاة واستغفار وغير ذلك، لا تقبل إلا إذا وحد الله سبحانه وتعالى وأفرده بالعبادة وتسمى هذه الآية: آية الحقوق العشرة، وذلك لأنها تضمنت عشرة حقوق، وابتدأت بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، فدلت على أن التوحيد هو أوجب الواجبات، وأن الشرك أعظم المحرمات،
وفيها تفسير التوحيد، وأنه عبادة الله وحده وترك الشرك.