ولعلّ سائلًا يسأل: لماذا السيف بدل الدعوة؟
فيكون جوابنا: أنّ الحجة أقامها جيلٌ من المشايخ الكرام أئمةً ودعاةً وعلماء في المغرب الإسلامي وغيره منذ خروج الإفرنجيين الصليبيين من ديارنا, فكان جزاء هؤلاء المشايخ الاستخفاف بهم واتهامهم في عقولهم وعلمهم وتشكيك المسلمين في نزاهتهم وثقتهم وأمانتهم, فضلًا عن تهميشهم وتعذيبهم وتشريدهم وضرب الإقامة الجبرية عليهم حتى الموت! فلم تعد تجدي الدعوة والحجة في القلوب الصماء شيئًا, قلوب تلامذة فرنسا وروسيا وأمريكا من ملاحدةٍ وزنادقة مسكوا بزمام أمر الأمة فضيّعوها وباعوها متسترين بشيءٍ يتظاهرون به من الإسلام بينما هم أنكروا الكثير المعلوم من الدين بالضرورة, يُبطنون الكفر ويظهرون الإيمان, وقيامنا اليوم على هؤلاء الحكام وجيوشهم المفسدين بالسيف دليلنا فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من بدّل دينه فاقتلوه"رواه البخاري عن عائشة.
وكذا سنة خليفة رسول الله أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- الذي كان رأيه موفّقًا في حرب المرتدين, رأيٌ أملته طبيعة الموقف لمصلحة الإسلام والمسلمين, ولو اتخذ موقفًا آخر لرجع الناس إلى الجاهلية. لقد تجلّى للناس الفهم الدقيق للإسلام من أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وشدة غيرته على هذا الدين وبقائه على ما كان عليه في عهد نبيه صلى الله عليه وسلم في كلمته الخالدة العظيمة التي فاض بها جنانه ونطق بها لسانه:"قد انقطع الوحي وتمّ الدين أينقص وأنا حي", وفي رواية أخرى قال عمر:"يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم", فأجابه قائلًا:"أجبّارٌ في الجاهلية خوّارٌ في الإسلام, قد انقطع الوحي وتمّ الدين أينقص وأنا حي".
ولقد اقتنع المسلمون آنذاك بصحة ورجاحة رأي أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ورجعوا إلى قوله واستصوبوه وأصبح إجماعًا وحجةً في حرب المرتدين, فإجماع الصحابة أجلّ وأكرم وأوجب وألزم من رأي من بعدهم, فإن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- حقيقةً كان أنفذ بصيرة من جميع من حوله؛ لأنه فهم بإيمانه الذي فاق إيمانهم جميعًا أنّ الزكاة التي يقاتلهم عليها لا تنفصل عن الشهادة, فمن أقرّ لله بالوحدانية لا بد أن يقرّ له بما يفرض من حق في المال, وإلا كان معنى (لا إله إلا الله) لا قيمة لها ولا اعتبار لها في حياة الناس, فإنّ السيف إنما يُشرع دفاعًا عن أدائها تمامًا كما يُشرع دفاعًا عن (لا إله إلا الله) .
وكذلك الحكم في الشرائع الأخرى, فمن أقرّ لله بالوحدانية لا بد أن يقر له بما شرع لعباده من فرائض وحدود في العقيدة والعبادة والأخلاق وسائر المعاملات وبما شرّع لهم من حلالٍ وحرام في جميع المجالات, وكلٌّ لا ينفصل عن الآخر, هذا هو الإسلام وغير هذا ليس من الإسلام.