والإباحية بلا أي ضابط فضلا عن وقوعه فريسة للبطالة وانعدام الطموح والأمان الاقتصادي أو الاجتماعي التي تغزو جميع شرائحه لاسيما الفتية والشباب منه على حد سواء.
أما في المشهد السياسي العراقي، موضوع فحص المقالة ميدانيا، فالمسألة أجلى من أن تغطى بغربال، فقد بات في حكم المؤكد، إلا برحمة من الله، القول أن الجماعات الجهادية باتت تعيش حالة من الفرز والاستقطاب على قاعدة المشروع السياسي القادم. فالمشروع الجهادي في العراق ليس متماثلا في تطلعاته وأهدافه، والاستقطاب سيكون من نصيب تيارين (الأول) هو تيار إسلامي جهادي ذو توجهات وطنية ينادي بتحرير العراق وإقامة دولة إسلامية وكفى، فيما (الثاني) وهو تيار السلفية الجهادية يعتبر العراق مجرد محطة على طريق إقامة الخلافة والدين وليس تحرير الأوطان فحسب. وشتان بين التيارين.
ولا يخفى على أحد حدة الصراع الذي يخوضه التيار الإسلامي الوطني ضد التيار السلفي الجهادي. وأحسب أن الصراع بين التيارين وصل إلى طريق مسدود، والطريف أن كلا من التيارين يخطِّئ الآخر ويدعوه إلى مراجعة مواقفه.
فبالنسبة لدعاة الإسلام الوطني يصر أصحابه على رفض الاعتراف بأنهم يختلف حقيقة وواقعا مع تيار عريض يمتد عبر العالم ولا ينحصر في إطار قطري، وأن لهذا التيار صولاته وجولاته ضد أعتى القوى العالمية من الولايات المتحدة الأمريكية فما دونها الاتحاد الأوروبي وروسيا وأستراليا وغيرها. وأن عناصر التيار السلفي يشكلون انعكاسا ميدانيا لواقع أمة إسلامية ممزقة ومهددة، فالقاعدة وطالبان ومجاهدي الشيشان وأسيا الوسطى وكشمير والفلبين وأمثالهم هم تعبير عما يسمى بالجهاد العالمي وليسوا طفرة ولا خوارج بالتعبير السياسي أو الإعلامي الذي يروج ضدهم من خصومهم وليس من العامة، كما أنهم ليسوا نكرة ولا بالمنحرفين كما يريدهم المرشد العام للإخوان المسلمين مهدي عاكف. أما التيار السلفي الجهادي فيصر هو الآخر على ما يعتبره توجيها للنصح كواجب ديني عليه أن يؤديه تجاه الجماعات الأخرى التي يعتبرها في حالة انحراف تام عن مبادئها وسابق عهدها وهو ما عبرت عنه كلمة أبو يحيى الليبي التي صدرت أول أمس ووجهت لحركة حماس خاصة.
غير أن الملفت فيتيار الإسلام الوطني لجوئه إلى شخصنة الصراع وتسطيحه إلى حد المهاترات المفجعة، وهذا لأنه لا يعترف أصلا بقيمة الطرف الآخر الذي غالبا ما يرميه بذات الصفات التي يرميه بها الخصوم بصورة تدعو للدهشة وكأنه بات حليفا لهم وهو الذي عانى منهم الويلات فيما سبق من الوقت غير بعيد. فالظواهري قد يبدو الشخصية المتصدرة للأحداث في هذه الفترة لأسباب نجهلها ولكنه ليس الشخصية المهيمنة ولا الدونية في التنظيم العالمي للقاعدة. أما من هو بمكانة أبي يحيى الليبي، صاحب الباع الطويل في العلم الشرعي، أو أبي الليث، صاحب عشرات المؤلفات الضخمة، فليسا، وغيرهم الكثير، مجرد شخصيات دونية في القاعدة حتى يقع تجاهلهم والاحتكام فقط إلى بن لادن صاحب القول الفصل وكأن التنظيم وقف عليه. ففي السلفية الجهادية لا تقاس المكانات بالأقدمية والتاريخ والذكاء بقدر ما يُقدَّم الجهاد والعلم الشرعي والثبات والنصح والولاء والبراء على ما عداها من المهارات والصفات بحيث لا يكون هناك ثمة فوارق تذكر بين بن لادن والبغدادي أو بين أبي يحيى والظواهري. ومن اعتقد غير ذلك فهو واهم لا يدري من السلفية الجهادية شيء.