فأنا وجدت أنّي لا أطيق البقاء بهذه الصورة، وبعد أن أدّيت الحجّ وأخذت بغيتي من تلك المناطق والتي لولا الحج والحرم ليس فيها ما يعاش من أجله، فقرّرت أن أتابع دراستي في الهندسة وخرجت إلى فرنسا في سنة 1983 م بمساعدة أحد أقربائنا تكفّل بدراستي فقال لي:"أنا أعمل صدقة جارية فأتكفل بدراستك حتى تنتهي، وإذا تخرجت أنت أيَضًا تختار أحد تدرسه وتشترط عليه أن يدرس شخص بعد أن يتخرج وهكذا"، فخرجت إلى فرنسا وبقيت في فرنسا ثلاث سنوات.
وأنا كما ذكرت لك كنت مع الإخوان المسلمين ولم أعمل مع الطليعة خارج سورية، ولكن بعد أن اكتشفت أن قيادة الإخوان المسلمين كذبوا علينا كذبات كبيرة، ومن ضمن هذه الكذبات التي كانوا يقولها لنا أن الطليعة تنظيم منشق وأنّ عدنان عقلة رجل متمرّد، فأنا بقيت ضمن الإخوان أسمع وأطيع وأتحرّج شرعًا من لقاء عدنان عقلة مع أن بيته كان قريبًا من بيتنا، فعندما اكتشفت حجم الكذب قلت يجب أن أراجع كل الأمور، فالتقيت بعدنان عقلة، وأنا الآن أرجع بالتاريخ قبل خروجي للسعودية، فذهبت إلى عمّان والتقيت بعدنان عقلة -فرّج الله عنه- ويقال أنه قتل ومصيره ليس معروفًا إلى الآن، فالتقيت به وقلت له:"نحن كنّا معكم في سورية ثمّ خرجنا إلى الإخوان والآن اكتشفنا القضية، فما هو برنامجك؟". فاكتشفت أنّ الرجل ليس عنده برنامج، وكان الإخوان حاصروا الطليعة وأفلسوها كما سنذكر عند حديثنا عن القضية السوريّة. فقال:"الآن أنا ليس عندي شيء، ولكن ساعدنا فيما تستطيع"، فبقيت في علاقة مع الطليعة إلى أن سافرت إلى السعودية ثمّ خرجت إلى فرنسا، فبقيت على علاقة بهم.
في سنة 1983 م حاول عدنان عقلة أن يعيد بناء الجهاد في سورية، فدخل إلى سورية هو وسبعون شخصًا على دفعات، وكان هذا كمينًا كبيرًا نصبته المخابرات السورية، حيث تمكنت من زرع أحد ضباط المخابرات في الطليعة في الأردن في وقت مبكر، قبل ثلاث سنوات، فقبضوا على عدنان عقلة وقبضوا على المجموعة، وكان من المفروض أن أكون أنا أحد الذين سيدخلون سورية، وكنت في آخر مجموعة ستدخل سوريا، فقطعت دراستي بفرنسا لألتحق بعدنان عقلة في سورية، فلمّا وصلت تركيا سمعنا أن هناك"رائحة كمين"، فقلت لهم أرجع لأتابع تجديد إقامتي وأتأكد من الموضوع، وفعلًا اكتشفنا أن عدنان عقلة معتقل.
والحقيقة لم يعد هناك أمل، فرجعت أحاول أن أكمل دراستي في الجامعة مرة أخرى، ولكن كثير من الشباب كان عندهم آمال أن يعيدوا الجهاد في سورية مرة أخرى، فالتقى مجموعة من الشباب وحاولوا أن يتدارسوا الموضوع، وقالوا:"لنحاول مرة أخرى، ولا يجوز أننا بعد أن تركنا مجموعة من الشهداء والمعتقلين، يذهب كل واحد منا ليتزوج أو يدرس في الجامعة"، فقمنا بمحاولة لإعادة لمّ الشباب مرة أخرى من بقايا الجهاد، وكنت أنا واحد من إدارة هذا الفريق الذي حاولت هذه المحاولة في سنة 1984.