الصفحة 7 من 41

فهذا الكلام موجود، وهناك قصة أخرى استغربت عندما سمعتها؛ وهي أن عبد الله بن المبارك -رحمه الله- كان يروي عن أحد علماء الحديث ويقول فيه:"كان إذا قيل لي هل تدخل الجنة أو تزور فلان؟ أقول لهم: أزور فلان ثم أدخل الجنة"؛ يعني لشدة إعجابه به على ما يسمع قال: لو قيل لي ادخل الجنة، أقول أقابل فلانًا ثم أدخل الجنة". قال:"فلّما رأيته لم يساوي عندي بَعْرة"، هكذا قال. [1] "

وكان من أشد الأشياء التي يقيس بها العلماء بعضهم؛ قربهم من السلاطين أو بعدهم عنهم، وكان موضوع القرب من السلاطين فتنة ومسبّة عند العلماء، فكان إذا زار السلطان أحد العلماء الكبار أصحاب القيمة يسقط من أعين العلماء، ولم يكن السلاطين مثل حسني مبارك أو فهد أو كذا ولكن كان السلاطين المَعنيِّين هم أمثال هارون الرشيد وأبو جعفر المنصور وعبد الملك بن مروان، سلاطين وخلفاء شرعيين يحكمون بما أنزل الله ولكن عندهم ظلم وشذوذ.

حتى أن عبد الله بن المبارك -وهو معاصر لهارون الرشيد- كان يقول:"لا أرى دخول العلماء على السلاطين، معروف عرفوه ومنكر أنكروه فماذا أفعل عندهم"اهـ. [2]

كان السلطان هو الذي يجيئ إلى العالم، وكان العالم له هيبة كبيرة جدًا، حتى أنّ زبيدة زوجة هارون الرشيد المشهورة في التاريخ؛ سمعت مرة من المرات جَلَبة من السوق، فأطلت من القصر فوجدت ضوضاء والناس يظهر عليهم الاحترام والهيبة، فقالت ماذا يجري؟ فقال لها الحرس: هذا عبد الله بن المبارك، جاء فضجّ السوق احترامًا

(1) يقول الإمام الجرجاني في كتابه (الكامل في ضعفاء الرجال) 5\ 213:"حَدَّثَنَا مُحَمد بْنُ عَبد الرَّحْمَنِ الدغولي، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ عَبد اللَّهِ بن قهزاد سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول: سَمعتُ عَبد الله بن المُبَارك يقول: لو خُيِّرت بين أن أدخل الجنة، وأن ألقى عَبد الله بن محرر لاخترت لقاءه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلي منه."اهـ

(2) لم أجد هذا الأثر، ومما روي عن ابن المبارك في ذمّ الدخول على السلاطين قوله:"من بخل بالعلم ابتلي بثلاث: أما موت يذهب علمه، وأما ينسى، وأما يلزم السلطان فيذهب علمه."اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت