الصفحة 6 من 41

العلم في هذا الزمن، وسيبقى عدد قليل فقط العلماء؛ خاصّة في أمور الشريعة المتعلقة بحياة الناس، فهذا القليل عندما يذهب لا بد للناس أن تتخذ رؤوسًا، فستتخذ الناس بدل العلماء رؤوسًا جهالًا.

فالله -سبحانه وتعالى- لا يرفع العلم رفعًا هكذا بحيث يكون عندنا علماء فيصبحون جهّالًا؛ وإنّما يذهب العلماء واحدًا تلو الآخر فيأتي زمن ليس فيه علماء، فيبدأ الناس بإفراز رؤوس جهّال، فهؤلاء الرؤوس الجهال يفتون بما لم يعلموا؛ فتجد كل واحد منهم يتصدّى لأي موضوع فيُفتي برأيه ويفتي بهواه ويفتي بمصلحته ويفتي بهوى السلطان ويفتي لمن يعطيه المال؛ فيَضل ويُضلّ الناس.

النقطة الثانية: التي أستند عليها هي تاريخ علم الرجال عند المسلمين؛ عند المسلمين هناك مجموعة من العلوم يفخرون بها على سائر الأمم، علوم ليست موجودة عند الأمم الأخرى؛ منها علم الرجال؛ وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصلنا مضبوطًا معروفًا الصحيح من الضعيف عبر هذا العلم، وكثير من العلوم الإسلامية ضُبطت بهذا العلم، مثل علم التاريخ والتفسير وغيره.

فعلماء (علم الرجال) كانوا يقنِّنون ويفصِّلون:"هذا رجل صادق"،"هذا كذّاب"،"هذا وضّاع"،"هذا شيعي"، حتى في بعض الجيّدين يقولون:"هذا ثقة ولكنه ينسى"،"هذا ثقة ولكنه اختلط في آخر عمره"،"هذا ثقة ولكن كان يقرأ من مكتبته فاحترقت مكتبته"، فيعتبرون كل هذه القضايا من مُضعِّفات حديث هؤلاء الناس، فإذا كان أي واحد منهم عنده تشيّع أو فيه اعتزال أو فيه أي انحراف؛ كانوا يتكلون عليه بهذا العلم.

حتى أنّ كثير من العلماء الثقات كانوا يخوضون في بعضهم وهم أحياء بأساليب صريحة، فهذا يتكلم على هذا ويُفَنِّد ويقول العالم الفلاني عنده كذا والعالم الفلاني عنده كذا، حتى أنّ من أغرب ما سمعت في هذا الموضوع؛ كلام الإمام مالك في ابن إسحاق راوي السيرة، كان الإمام مالك يقول عن ابن إسحاق:"هذا دجّال يروي عن اليهود"، وكان ابن إسحاق يقول في مالك كلامًا أشدّ من هذا لا أحفظه، حتى أنه فيما بعد جمعهم العلماء وأصلحوا بينهم، وبقي الإمام مالك لا يعتدّ بروايات ابن إسحاق ويعتبر أنه يروي إسرائيليات. [1]

(1) يقول الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء) ط الحديث 6\ 502:"يحيى بن آدم: حدثنا ابن إدريس, قال: كنت عند مالك, فقال له رجل: إن محمد بن إسحاق يقول: اعرضوا علي علم مالك فإني بيطاره. فقال مالك: انظروا إلى دجال من الدجاجلة يقول: اعرضوا علي علم مالك."اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت