فتأمل كيف وصف انشغال الإمام الفضيل بن عياض بالعبادة ومجاورة الحرم باللعب والباطل مقارنةً بتركه للقتال في سبيل الله، هذا مع كون الجهاد المتحدث عنه فرض كفاية لا فرض عين. فكيف لو رأى الإمام ابن المبارك -رحمه الله- حال القاعدين عن الجهاد المتعين انشغالًا بنوافل وتطوعات، بماذا يا ترى سيصف أعمالهم التي قعدوا بها عن هذا الجهاد..؟
الوجه الثالث: أن الواجبات العينية تقدَّمُ على الواجبات الكفائية.
وهو الوجه الثالث الذي يتقرر به أن الجهاد إذا تعين فإنه يقدم على غيره من الأعمال. وتقديمُ الواجبات العينية على الواجبات الكفائية أصلٌ مقررٌ عند أهلِ الطائفة المنصورة، وهو من العدل الذي أُمروا به في أمرهم كله. ومن ثم يضعون كل شيءٍ موضعه بلا شطط أو [كلمة غير واضحة] فينالون رضوان الله بالمسارعة إلى محابِّه واجتناب مساخطه.
قال الغزالي رحمه الله وهو يتكلم عن شروط الاشتغال بالمناظرة الفقهية، وهي من فروض الكفاية، قال:"الأول؛ أن لا يشتغل به وهو من فروض الكفايات من لم يتفرغ من فروض الأعيان، ومن عليه فرضُ عينٍ فاشتغل بفرض كفاية وزعم أن مقصده الحق؛ فهو كذاب. ومثاله من يترك الصلاة في نفسه ويتجرد في تحصيل الثياب ونسجها، ويقول غرضي أستر عورة من يصلي عريانًا ولا يجد ثوبًا"إلى أن قال رحمه الله"فلا يكفي في كون الشخص مطيعًا كون فعله من جنس الطاعات مالم يراع فيه الوقت والشروط والترتيب"ا.هـ.
فنصَّ رحمه الله على أن من اشتغل بفرص كفاية، مع عدم تفرغه من فرض العين أنه كذاب، وإن زعم أن قصده الحق.
الوجه الرابع الذي يتقرر به تقديم الجهاد عند تعينه على غيره: أن الواجب المضيَّق يقدم على الواجب الموسَّع، والفوري يقدم على المتراخي، وما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته.
وقد ذكر القراسي رحمه الله وهو يتحدث عن مسألة تعارض الواجبات وما يقدم منها وما يؤخر؛"أن هذا مبني على معرفة قاعدة في الترجيحات، وضابط ما قدمه الله تعالى على غيره من المطلوبات، وهي أنه إذا تعارضت الحقوق قدم منها المضيق على الموسع؛ لأن التضييق يُشعر بكثرة اهتمام صاحب الشرع بما جعله مضيَّقًا وأن ما جوز له تأخيره وجعله موسَّعًا عليه دون ذلك. و يقدم الفوري على المتراخي؛ لأن الأمر بالتعجيل يقتضي الأرجحية على ما جعل له تأخيرا. ويقدم فرض الأعيان على الكفاية؛ لأن طلب الفعل من جميع المكلفين يقتضي أرجحية على ما طُلِب من البعض فقط، ولأن فرض الكفاية يعتمد عدمَ تكرر المصلحة بتكرر الفعل، والفعلُ الذي تتكرر مصلحتُه في جميع صوره أقوى في استلزام المصلحة من الذي لا توجد المصلحة معه إلا في بعض صوره. ولذلك يقدم ما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته، وإن كان أعلى رتبة منه"ا.هـ.