وبهذه الوجوه الأربعة المتقدمة يتقرر أن الجهاد إذا تعين فهو مقدم عند أهل الطائفة المنصورة على غيره من النوافل، كما أنه مقدم على غيره من الواجبات الكفائية أيًّا كانت بلا أدنى نزاع. بل ومقدمٌ على غيره من الواجبات العينية عند عدم إمكان الجمع بينه وبينها؛ كالصلاة والصيام والحج وغيرِها.
وقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقهَ مراتب الأعمال بأنها حقيقة الدين، وحقيقة العمل بما جاءَت به الرسل، وبأنه خاصةُ العلماءِ بهذا الدين فقال رحمه الله:"فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر حتى تقدم أهمها عند المزاحمة، فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به السل، فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر وجنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيرًا، فأمّا مراتب المنكر ومراتب الدليل بحيث تُقَدّم عند التزاحم أعرف المعروفين، فتدعو إليه، وتنكر أنكر المنكرين، وترجح أقوى الدليلين فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين"ا.هـ.
يتبين مما سبق أن المجاهدين، أهل الطائفة المنصورة، فيما ذهبوا إليه لم يأتوا ببدع من القول أو مستحدث من الفعل كيف ودربهم دربٌ مسلوك، وسبيل مطروق، أسلافهم فيه خير من وطئ الحصى من الأنبياء والمرسلين والتابعين لهم بإحسان، وهم بهم يقتدون، ولآثارهم يقتفون. أقدامُهم في الثرى، وهاماتهم في الثريا، ونفوسهم ترى إراقة دماء الحياة دون إراقة ماء المُحيّا.
ساروا وحاديهم قولُ الزبير رضي الله عنه:"نحنُ أمةٌ لا نموتُ إلا قتلًا، فمالي أرى الفرش قد كثر عليها الأموات".
يردد السالك لدربهم قولَ الأول:
ولستُ أُبالي حين أقتلُ مُسلمًا على أي جنبٍ كانَ في اللهِ مصرعي
وذلكَ في ذاتِ الإله وإن يشأ يبارِك على أوصالِ شِلوٍ مُمَزع
أو قولَ الآخر:
لكنني أسألُ الرحمنَ مغفرةً وضربةً ذاتَ فَرغٍ تقذفُ الزَبَدا
أو طعنَةً بيدي حَرّان مُجْهِزةً بحربةٍ تُنفِذُ الأحشاءَ و الكَبِدَا
حتى يقالَ إِذا مَرُّوا على جدثي أرشدكَ اللهُ مِن غازٍ وقد رَشَدا
أو قولَ الجمع المبارك:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدًا.
فأئمتهم قد أوضحوا لهم الحجة، ورسموا لهم المحجة، وعبّدوا لهم دربهم، وحذَّرُوهم مِن بُنيّاته، وخطّوا لهم خطة الهدى والرشاد، تقدَّمُوهُم في المسير، وسَبَقُوهُم في الوصول، وقد ضَرَبُوا لهم موعِدَ اللقاء مع من وفى دون من نكص.