فهرس الكتاب

الصفحة 403 من 417

ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعدُ الله، والخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"."

إنه قدرُ القتال، وسبيلُ المواجهة مع الباطل حقيقةٌ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصدع بها في وجه أعدائه والدعوة في أصعب ظروفها، وأحلك مراحلها، من قلةٍ في العدد وضعفٍ في العُدة.

قيل لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: ما أكثرُ ما رأيت قريشًا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر، فذكروا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفّه أحلامنا، وشتمَ آبائنا، وعابَ ديننا، وفرّقَ جماعتنا، وسبَّ آلهتنا، فقد صبرنا منه على أمر عظيم. قال فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول. قال فعرفتُ ذلك في وجهه، ثم مضى. فمر بهم الثانية، فغمزوه بمثلها فعرفتُ ذلك في وجهه، ثم مضى. ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال:"تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسُ محمد بيده لقد جئتُكم بالذبح"فأخذتِ القوم كلمته حتى ما منهم رجلٌ إلا كأنما على رأسه طائرٌ واقع، حتى إن أشدَّهم فيه وصاة قبلَ ذلك ليرفؤه في أحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدًا فو الله ما كنت جهولًا.

قال البيهقي رحمه الله:"وفي هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أوعدهم بالذبح وهو القتل في مثل تلك الحال، ثم صدّق الله تعالى قوله بعد ذلك بزمان فقطع دابرهم، وكفى المسلمين شرهم"ا.هـ.

تلكم الحقيقة كان النبي صلى الله عليه وسلم يغرس بذورها في نفوس أصحابه ولا سيما في تلك المرحلة التي لم يؤذن لهم فيها بالقتال، وأمروا فيها بالعفو والصفح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأثمر ذلك الغراس وأينعت ثمرته في نفوس الصحابة رضوانُ الله عليهم. فأدركوا حقيقةَ الصراعِ بينهم وبين الكفر، وأن هذه المرحلة مرحلةٌ مؤقتة ما تلبثُ أن تزول. وأن القتال بينهم وبين معسكر الباطل وحزبه أمرٌ كائنٌ لا محالة، ذلكم هو قدر هذه الدعوة منذ يومها الأول. وأن السيف هو الفيصلُ بينهم وبين أعدائهم، وهو من سيزيحُ هذه الرؤوسَ عن طريق الحق وأهله.

لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة من الأوس والخزرج يوم العقبة. قالوا: يا رسول الله علام نبايعك؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمتُ عليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة"قال جابر رضي الله عنه: فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين، فقال: رويدًا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت