الكبار رحمهم الله تعالى، كالشيخ العالم العامل الزاهد القدوة أبي عمر المقدسي، وأخيه الإمام الموفق صاحب المغني، وابن خالهم الحافظِ الكبير عبد الغني، وأخيه العماد"ا.هـ."
وأما جهادُ شيخ الإسلام ابن تيمية للتتار فهو علمٌ في رأسه نار. قال ابن كثير -رحمه الله- في كلامه على هجوم التتار على دمشق:"وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية يدور كل ليلة على الأسوار يحرض الناس على الصبر والقتال، ويتلو عليهم آياتِ الجهاد والرِّباط".
وقال عنهُ الذهبي:"نصرَ السنة بأوضح حجج وأبهر براهين، وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأُخيف في نصر السنة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته، والدعاءِ له، وكبس أعدائه، وهدى به رجالًا كثيرة من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا، وعلى طاعته، وأحيى به الشام، بل الإسلام بعد أن كان ينثلم، خصوصًا في كائنة التتار. وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفتُ بين الركنِ والمقام؛ لحلفت أني ما رأيت بعينيَّ مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه"ا.هـ.
أما الفصلُ بين العلمِ والجهاد، والدعوةِ باللسان والدعوة بالسنان، فحاشا أن يكون منهجَ الطائفةِ المنصورة، إذ هو فصامٌ نكد، وطامّةٌ كبرى، وبدعةٌ منكرة، ودخنٌ في الدين، أورث ما يُدمِي القلب، ويُدمِع العين، ويملأ النفوس حسرة وأسى.
وإن المتأمِّلَ لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليَلحَظُ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنذ مطلع فجر هذه الدعوة يسعى لامتلاك أسباب القوة، ويتجلى ذلك واضحًا في عرضه -صلى الله عليه وسلم- نفسَهُ في تلك المرحلة المكية على القبائل بُغيَةَ أن يجدَ قبيلةً تقومُ دونَه بسيوفِها، وتقاتلُ عنه ليتمكنَ من المضي في أمر ربه.
قال أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:"لما أمرَ الله نبيَّهُ أن يعرضَ نفسه على قبائل العرب؛ خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، وتقدَّمَ أبو بكر، وكان نسّابة. فقال: من القوم؟ فقالوا: من ربيعة. قال علي ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينةُ والوقار، فتقدّم أبو بكر، وكان مقدَّمًا في كل خير وقال: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبه. فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما وراء هؤلاء القوم غر هؤلاء غرر الناس ! وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمانُ بن شريك، فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم ؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة، فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم ؟ قال مفروق: علينا الجهد، ولكل قوم جَد؛ قال أبو بكر: كيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشدُّ ما نكون غضبًا حين نلقى، وإنّا لأشدُّ ما نكون لقاءً حين نغضب، وإنا لنؤثرُ الجيادَ على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصرُ من عند الله، يديلنا مرة، ويديلُ علينا أخرى. لعلك أخو قريش؟ قال أبو بكر: وقد بلغكم أنه رسول الله"