عَدَاوَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ بَيْنَهُمَا وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ الشَّهِيدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَعُمَرَ رضي الله عنه اشْتَرَكَا فِي أَنَّهُمَا إنَّمَا قُتِلَا لِقَصْدِهِمَا إعْلَاءَ كَلِمَةِ الدِّينِ وَإِظْهَارَ الدِّينِ وَقَاتِلُهُمَا قَصَدَ ضِدَّ ذَلِكَ وَإِخْفَاءَ دِينِ اللَّهِ فَهُوَ صَادٌّ عَلَى اللَّهِ. وَهَذَا مَعْنَى آخَرُ لَمْ نَذْكُرْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ فَيُتَنَبَّهُ لَهُ فِي الشَّهِيدِ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعْنَاهُ فِي طَرِيقٍ اسْتَعْمَلَهُ اللَّهُ فِيهَا نُصْرَةً لِدِينِهِ فَهُوَ عَبْدٌ سَارَ فِي طَرِيقِ سَيِّدِهِ لِتَنْفِيذِ أَمْرِهِ حَتَّى غَلَبَهُ عَدُوُّ سَيِّدِهِ لَا لِدَخَلٍ بَيْنَهُمَا بَلْ عَدَاوَةٌ لِلسَّيِّدِ أَلَيْسَ السَّيِّدُ يَغَارُ لَهُ وَاَللَّهُ أَشَدُّ غَيْرَةً وَقَالَ صلى الله عليه وسلم {مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِهِ صَادِقًا، ثُمَّ مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ شَهِيدٍ} وَقَالَ أَيْضًا {مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ} .فتاوى السبكي - (ج 4 / ص 126)
وفي طرح التثريب:
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ. وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ ثَلَاثًا أُشْهِدُ اللَّهَ} .
(فِيهِ) فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ بِمَعْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(الثَّانِيَةُ) فِيهِ جَوَازُ الْيَمِينِ وَانْعِقَادِهَا بِقَوْلِهِ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا الْيَمِينُ تَكُونُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَاتِهِ أَوْ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ.
(الثَّالِثَةُ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ لِتَاكِيدِ الْأَمْرِ وَتَعْظِيمِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى ذَلِكَ فِي خُصُومَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ الِاسْتِخْفَافُ بِالْيَمِينِ.
(الرَّابِعَةُ) قَوْلُهُ نَفْسِي بِإِسْكَانِ الْفَاءِ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ بِفَتْحِ الْفَاءِ لَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا لَكِنْ لَا يَجُوزُ النُّطْقُ بِالْحَدِيثِ بِالْفَتْحِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْوِيٍّ، وَالْيَدُ هُنَا الْقُدْرَةُ وَالْمِلْكُ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ.
(الْخَامِسَةُ) فِيهِ تَمَنٍّ الْإِنْسَانِ الْخَيْرَ، وَإِنْ كَانَ مُحَالًا فِي الْعَادَةِ وَالْمَكْرُوهُ إنَّمَا هُوَ التَّمَنِّي فِي الشَّهَوَاتِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا.
(السَّادِسَةُ) لَمْ يَتَمَنَّ عليه الصلاة والسلام الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا بَعْدَ الْمُقَاتَلَةِ لِيَكُونَ مِنْهُ عَمَلٌ وَإِقَامَةٌ لِلدِّينِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لقوله تعالى {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} .
(السَّابِعَةُ) قَوْلُهُ (أُحْيَا) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْفَتْحُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَلَاثًا أَيْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَقَوْلُهُ أُشْهِدُ اللَّهَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ تَاكِيدٌ لِمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ تَمَنِّيه عليه الصلاة والسلام الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقَدْ وَرَدَ تَمَنِّيه ذَلِكَ أَرْبَعًا، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ