يَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا، كَقَتْلِ مُسْلِمٍ تَتَرَّسَ بِهِ الْكُفَّارُ فِي حَرْبِهِمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةَ قَهْرِ الْعَدُوِّ، وَمَنْعَ قَتْلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَالْوَصْفُ الطَّرْدِيُّ لَيْسَ مُخَيِّلًا، كَلَوْنِ الْخَمْرِ وَقِوَامِهَا، فَلَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ عِلِّيَّتُهُ لِلتَّحْرِيمِ، لِعَدَمِ تَضَمُّنِهِ ضَرَرًا يَسْتَدْعِي تَحْرِيمَهَا. وَأَمَّا الْإِسْكَارُ فِي الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ مَعَ تَضَمُّنِهِ مَفْسَدَةَ تَغْطِيَةِ الْعَقْلِ، لَيْسَ وَصْفًا مُخَيِّلًا كَذَلِكَ، لِوُرُودِ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ بِهِ. وَالنَّصُّ هُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} . وَلَوْ افْتَرَضَ عَدَمَ وُرُودِ هَذَا النَّصِّ وَأَمْثَالِهِ لَكَانَ وَصْفُ الْإِسْكَارِ مُخَيِّلًا. وَمِنْ هَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَعَمُّ مِنْ الْمُخَيِّلِ. وَفِي جَوَازِ تَعْلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْوَصْفِ الْمُخَيِّلِ لِأَجْلِ الْقِيَاسِ، خِلَافٌ. وَكَذَلِكَ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ مُرْسَلَةٌ. رَاجِعْ"الْمُلْحَقَ الْأُصُولِيَّ: الْقِيَاسَ، وَالْمَصْلَحَةَ الْمُرْسَلَةَ". الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 252)
أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي يَدِ الْأَعْدَاءِ:
اسْتِئْسَارُ الْمُسْلِمِ وَمَا يَنْبَغِي لِاسْتِنْقَاذِهِ عِنْدَ تَتَرُّسِ الْكُفَّارِ بِهِ:
أ - الِاسْتِئْسَارُ: 54 - الِاسْتِئْسَارُ هُوَ تَسْلِيمُ الْجُنْدِيِّ نَفْسَهُ لِلْأَسْرِ، فَقَدْ يَجِدُ الْجُنْدِيُّ نَفْسَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ الِاسْتِئْسَارُ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلِمَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه بِسَنَدِهِ قَالَ: {بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشَرَةً رَهْطًا عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ - مَوْضِعٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ - ذُكِرُوا لِبَنِي لِحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتِي رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إلَى فَدْفَدٍ - مَوْضِعٍ غَلِيظٍ مُرْتَفِعٍ - وَأَحَاطَ بِهِمْ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا وَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَلَّا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا، قَالَ عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَوَاَللَّهِ لَا أَنْزِلُ الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ خَبِّرْ عَنَّا نَبِيَّك، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ، فَنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثْنَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاَللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، إنَّ لِي فِي هَؤُلَاءِ لَأُسْوَةً - يُرِيدُ الْقَتْلَى - فَجَرُّوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ - أَيْ مَارَسُوهُ وَخَادَعُوهُ لِيَتْبَعَهُمْ - فَأَبَى فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ الدَّثْنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ. . .} فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا حَدَثَ، وَعَدَمُ إنْكَارِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْسَارَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُرَخَّصٌ فِيهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَاسَ أَنْ يُسْتَاسَرُ الرَّجُلُ إذَا خَافَ أَنْ يُغْلَبَ. وَإِلَى هَذَا اتَّجَهَ كُلٌّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 4 / ص 214)
ج - التَّتَرُّسُ بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ:
63 -التُّرْسُ بِضَمِّ التَّاءِ: مَا يُتَوَقَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ، يُقَالُ: تَتَرَّسَ بِالتُّرْسِ إذَا تَوَقَّى بِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَتَرُّسُ الْمُشْرِكِينَ بِالْأَسْرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ فِي الْقِتَالِ، لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُمْ كَالتِّرَاسِ، فَيَتَّقُونَ بِهِمْ هُجُومَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ رَمْيَ الْمُشْرِكِينَ - مَعَ تَتَرُّسِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ - يُؤَدِّي إلَى قَتْلِ