، وَتَرُدُّكُمْ إلى مَا كُنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ، وَلكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ يُضِلُّونَ أنْفُسَهُمْ، وَيُفْسِدُونَ فِطْرَتَهُمْ بِاخْتِيارِهِمْ، لأنَّهُمْ يَشْغَلُونَ أنْفُسَهُمْ فِب البَحْثِ عَنْ وَسِيلةٍ لإِضْلاَلِكُمْ فَيَصْرِفُونَ أنْفُسَهُمْ عَنِ النَّظَرِ في طُرُقِ الهِدَايَةِ، وَلاَ يَشْعُرُونَ أنَّ مَكْرَهُمْ مُحِيقٌ بِهِمْ، وَانَّ عَاقِبَةَ سَعْيِهِمْ لاَ تَضُرُّ المُؤْمِنينَ.
يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ كُفْرَهُمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَبَرَاهِينِهِ، الوَاضِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَهُمء يَعْلَمُونَ أنَّهَا حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَكُتُبُهُمْ تَشْهَدُ بِصِحَّتِهَا، وَقَدْ جَاءَتْ فِيها البِشَارَةُ بِهِ، وَبَيَّنَتْ أوْصَافَهُ، وَهِيَ لاَ تَنْطَبِقُ إلاَّ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ كُفْرَهُمْ، وَخَلْطَهُمُ الحَقَّ الذِي جَاءَ بِهِ الأنْبِياءُ، وَنَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، بِالشُّبُهَاتِ الوَاهِيَةِ، والتَّأوِيلاتِ البَاطِلَةِ، وَعَدَمَ إذاعَتِهِم الحَقَّ صَرِيحًا وَاضِحًا بَعِيدًا عَنِ التَّخْلِيطِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنَّ عِقَابَ اللهِ عَظِيمٌ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الأعْمَالِ.
اقْتَرَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ: هُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّيْفِ، وَعَدِسُّ بْنُ زَيْدٍ، وَالحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ عَلَى إخْوَانِهِم اليَهُودِ أنْ يَكِيدُوا لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ أمْرَهُمْ، وَذَلِكَ بِأنْ يُؤْمِنَ فَرِيقٌ مِنَ اليَهُودِ بالإِسْلاَمِ أوَّلَ النَّهَارِ (وَجْهَ النَّهَارِ) ، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَرْتَدُّونَ عَنْهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ، لِيَظُنَّ الجَهَلَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُمْ إنَّما رَدَّهُمْ إلى دِينِهِمْ اطّلاَعُهُمْ عَلَى نَقِيصَةٍ وَعَيْبٍ فِي دِينِ الإسْلامِ، فَيَرْتَدُّونَ هُمْ أيْضًا
وَقَدْ حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَؤلاءِ، وَأطْلَعَهُ عَلَى سِرِّهِمْ وَمَكْرِهِمْ، حَتَّى لاَ تُؤثِّرَ هَذِهِ الحِيَلُ فِي قُلُوبِ ضُعَفَاءِ الإِيمَانِ.
(وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: صَلَّتِ اليَهُودُ مَعَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم صَلاَةً الصُّبْحِ، وَكَفَرُوا آخِرَ النَّهَارِ مَكْرًا مِنْهُمْ لِيُرُوا النَّاسَ أنَّهُ قَدْ بَدَتْ لَهُمْ الضَّلاَلَةُ مِنْهُ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا اتَّبَعُوهُ) .
وَتَقُول هَذِهِ الطَّائِفَةُ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ: لاَ تَطْمَئِنُّوا وَلا تُظْهِروا أسْرَارَ دِينكُمْ، وَمَا عِنْدَكُمْ إلاَّ لِمُتَّبِعِي دِينِكُمْ، وَلاَ تُظْهِرُوا شَيْئًا مِمَّا عِنْدَكُمْ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَتَعَلَّمُوا، وَيُسَاوُوكُمْ بِهِ، وَيَحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْكُمْ.
وَقَالُوا: لاَ تَعْتَرِفُوا أمَامَ العَرَبِ، أوْ غَيْرِهِمْ أنَّكُمْ تَعْتَقِدُونَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ بَنِي إسْرَائِيلَ
وَرَدَّ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيهِمْ بِقَوْلِهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: إنَّ الرِّسَالَةَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ، وَهوَ تَعَالَى العَلِيمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ فَيُعْطِيهِ، وَإنَّ اللهَ هُوَ الذِي يَهْدِي القُلُوبَ إلى الإيمَانِ الكَامِلِ، بِمَا يُنْزِلُ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ مِنَ الآيَاتِ، وَالدَّلاَئِلِ، وَالحُجَجِ الوَاضِحَاتِ. وَإذا كُنْتُمْ يَا أيُّها اليَهُودُ تَكْتُمُونَ صِفَة َ مُحَمَّدٍ المُبَيَّنَةَ فِي كُتُبِكُمْ، وَوَصَلَتْكُمْ مِنْ أَنْبِيَائِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ أعْلَمَ بِهَا رَسُولَهُ. وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ الفَضْلَ وَالأمُورَ كُلَّها بِيدِ اللهِ، وَهُوَ المُعْطِي وَالمَانِعُ، يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بالإيمَانِ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَاللهُ وَاسِعُ العِلْمِ وَالفَضْلِ. وَاللهُ تَعَالَى يَخْتَصُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بَرَحْمَتِهِ، وَيَبْعَثُهُ نَبِيًّا لإبْلاَغِ رِسَالاَتِهِ، وَقَدِ اخْتَصَّ بِهَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وَالله هُوَ صَاحِبُ الفَضْلِ العَظِيمِ، لا يُنَازِعُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَلا يُحْجَزُ عَلَيهِ في عَطَاءٍ. يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ خِيَانَةِ اليهُودِ، وَيُحَذِّرُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الاغْتِرَارِ بِهِمْ، فَمِنْهُمْ جَمَاعَةٌ أُمَنَاءُ يُؤَدُّونَ مَا ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ، حَتًّى وَلَو كَانَ قِنْطَارًا مِنَ المَالِ. وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ فِي الأَمَانَةِ، فَلاَ يُؤَدُّونَ مَا ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ، إلاَّ بِالمُلاَزَمَةِ وَالإِلْحَاحِ، لاسْتِخْلاَصِ