: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ أَهْلَ الْبِدَعِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ. فَحَمَلَهُمْ هَوَاهُمْ عَلَى أَنْ تَجَمَّعُوا تَجَمُّعَ الْأَحْزَابِ وَدَخَلُوا إلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ مُسْتَعِدِّينَ لِلْحِرَابِ بِالْأَحْوَالِ الَّتِي يُعِدُّونَهَا لِلْغِلَابِ. فَلَمَّا قُضِيَتْ صَلَاةُ الْجُمْعَةِ أَرْسَلْت إلَى شَيْخِهِمْ لِنُخَاطِبَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَتَّفِقَ عَلَى اتِّبَاعِ سَبِيلِهِ - فَخَرَجُوا مِنْ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فِي جُمُوعِهِمْ إلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ وَكَأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا مَعَ بَعْضِ الْأَكَابِرِ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى مَسْجِدِ الشاغو - عَلَى مَا ذُكِرَ لِي - وَهُمْ مِنْ الصِّيَاحِ وَالِاضْطِرَابِ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ. فَأَرْسَلْت إلَيْهِمْ مَرَّةً ثَانِيَةً لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَالْمَعْذِرَةِ وَطَلَبًا لِلْبَيَانِ وَالتَّبْصِرَةِ وَرَجَاءَ الْمَنْفَعَةِ وَالتَّذْكِرَةِ. فَعَمَدُوا إلَى الْقَصْرِ مَرَّةً ثَانِيَةً وَذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ قَدِمُوا مِنْ النَّاحِيَةِ الْغَرْبِيَّةِ مُظْهِرِينَ الضَّجِيجَ وَالْعَجِيجَ وَالْإِزْبَادَ وَالْإِرْعَادَ وَاضْطِرَابَ الرُّءُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَالتَّقَلُّبَ فِي نَهْرِ بَرَدَى وَإِظْهَارَ التَّوَلُّهِ الَّذِي يُخَيِّلُوا بِهِ عَلَى الرَّدَى وَإِبْرَازَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ الْحَالِ وَالْمُحَالِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ إلَيْهِمْ مَنْ أَضَلُّوا مِنْ الْجُهَّالِ. فَلَمَّا رَأَى الْأَمِيرُ ذَلِكَ هَالَهُ ذَلِكَ الْمَنْظَرُ وَسَأَلَ عَنْهُمْ فَقِيلَ لَهُ هُمْ مُشْتَكُونَ فَقَالَ لِيَدْخُلَ بَعْضُهُمْ فَدَخَلَ شَيْخُهُمْ وَأَظْهَرَ مِنْ الشَّكْوَى عَلَيَّ وَدَعْوَى الِاعْتِدَاءِ مِنِّي عَلَيْهِمْ كَلَامًا كَثِيرًا لَمْ يَبْلُغْنِي جَمِيعُهُ؛ لَكِنْ حَدَّثَنِي مَنْ كَانَ حَاضِرًا أَنَّ الْأَمِيرَ قَالَ لَهُمْ: فَهَذَا الَّذِي يَقُولُهُ مَنْ عِنْدَهُ أَوْ يَقُولُهُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا بَلْ يَقُولُهُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ يُقَالُ لَهُ؟ قَالُوا: نَحْنُ لَنَا أَحْوَالٌ وَطَرِيقٌ يُسَلِّمُ إلَيْنَا قَالَ فَنَسْمَعُ كَلَامَهُ فَمَنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ نَصَرْنَاهُ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ تَشُدَّ مِنَّا قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَشَدُّ مِنْ الْحَقِّ سَوَاءٌ كَانَ مَعَكُمْ أَوْ مَعَهُ قَالُوا: وَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَكَرَّرُوا ذَلِكَ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ فَأَرْسَلَ إلَيَّ بَعْضَ خَوَاصِّهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّينِ مِمَّنْ يُعْرَفُ ضَلَالُهُمْ وَعَرَّفَنِي بِصُورَةِ الْحَالِ وَأَنَّهُ يُرِيدُ كَشْفَ أَمْرِ هَؤُلَاءِ. فَلَمَّا عَلِمْت ذَلِكَ أُلْقِيَ فِي قَلْبِي أَنَّ ذَلِكَ لَأَمْرٌ يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنْ إظْهَارِ الدِّينِ وَكَشْفِ حَالِ أَهْلِ النِّفَاقِ الْمُبْتَدِعِينَ لِانْتِشَارِهِمْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِينَ وَمَا أَحْبَبْت الْبَغْيَ عَلَيْهِمْ وَالْعُدْوَانَ وَلَا أَنْ أَسْلُكَ مَعَهُمْ إلَّا أَبْلَغَ مَا يُمْكِنُ مِنْ الْإِحْسَانِ فَأَرْسَلْت إلَيْهِمْ مَنْ عَرَّفَهُمْ بِصُورَةِ الْحَالِ وَإِنِّي إذَا حَضَرْت كَانَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْوَبَالِ وَكَثُرَ فِيكُمْ الْقِيلُ وَالْقَالُ وَإِنَّ مَنْ قَعَدَ أَوْ قَامَ قُدَّامَ رِمَاحِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فَهُوَ الَّذِي أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي الْهَوَانِ. فَجَاءَ الرَّسُولُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا بِشُيُوخِهِمْ الْكِبَارِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ حَقِيقَةِ الْأَسْرَارِ وَأَشَارُوا عَلَيْهِمْ بِمُوَافَقَةِ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ اتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ وَالْخُرُوجِ عَمَّا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبِدَعِ الشَّنِيعَةِ. وَقَالَ شَيْخُهُمْ الَّذِي يَسِيحُ بِأَقْطَارِ الْأَرْضِ كَبِلَادِ التُّرْكِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهَا: أَحْوَالُنَا تَظْهَرُ عِنْدَ التَّتَارِ لَا تَظْهَرُ عِنْدَ شَرْعِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَأَنَّهُمْ نَزَعُوا الْأَغْلَالَ مِنْ الْأَعْنَاقِ وَأَجَابُوا إلَى الْوِفَاقِ. ثُمَّ ذُكِرَ لِي أَنَّهُ جَاءَهُمْ بَعْضُ أَكَابِرِ غِلْمَانِ الْمُطَاعِ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِمْ لِمَوْعِدِ الِاجْتِمَاعِ. فَاسْتَخَرْت اللَّهَ تَعَالَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَاسْتَعَنْته وَاسْتَنْصَرْته وَاسْتَهْدَيْته وَسَلَكْت سَبِيلَ عِبَادِ اللَّهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَالِكِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي قَلْبِي أَنْ أَدْخُلَ النَّارَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَأَنَّهَا تَكُونُ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى مَنْ اتَّبَعَ مِلَّةَ الْخَلِيلِ وَأَنَّهَا تُحْرِقُ أَشْبَاهَ الصَّابِئَةِ أَهْلِ الْخُرُوجِ عَنْ هَذِهِ السَّبِيلِ. وَقَدْ كَانَ بَقَايَا الصَّابِئَةِ أَعْدَاءِ إبْرَاهِيمَ إمَامِ الْحُنَفَاءِ بِنَوَاحِي الْبَطَائِحِ