فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 1257

قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لجعل شريعتكم واحدة فكنتم على الحق؛ فبين أنه أراد بالاختلاف إيمان قوم وكفر قوم. {ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} في الكلام حذف تتعلق به لام كي؛ أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم؛ والابتلاء الاختبار.

قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي سارعوا إلى الطاعات؛ وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها إلا في الصلاة في أوّل الوقت؛ فإن أبا حنيفة يرى أن الأولى تأخيرها، وعموم الآية دليل عليه؛ قاله الكيا. وفيه دليل على أن الصوم في السفر أولى من الفِطر، وقد تقدّم جميع هذا في «البقرة» . {إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي بما اختلفتم فيه، وتزول الشكوك.

قوله تعالى: {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} تقدم الكلام فيها، وأنها ناسخة للتخيير. قال ابن العربي: وهذه دعوى عريضة؛ فإن شروط النسخ أربعة: منها معرفة التاريخ بتحصيل المتقدّم والمتأخر، وهذا مجهول من هاتين الآيتين؛ فامتنع أن يدعى أن واحدة منهما ناسخة للأُخرى، وبقي الأمر على حاله.

قلت: قد ذكرنا عن أبي جعفر النحاس أن هذه الآية متأخرة في النزول؛ فتكون ناسخة إلا أن يقدّر في الكلام {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} إن شئت؛ لأنه قد تقدّم ذكر التخيير له، فآخر الكلام حُذف التخيير منه لدلالة الأوّل عليه؛ لأنه معطوف عليه، فحكم التخيير كحكم المعطوف عليه، فهما شريكان وليس الآخر بمنقطع مما قبله؛ إذ لا معنى لذلك ولا يصح، فلا بد من أن يكون قوله: {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} معطوفًا على ما قبله من قوله: {وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط} [المائدة: 42] ومن قوله: {فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] فمعنى {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} أي أحكم بذلك إن حكمت واخترت الحكم؛ فهو كله محكم غير منسوخ؛ لأن الناسخ لا يكون مرتبطًا بالمنسوخ معطوفًا عليه، فالتخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك محكم غير منسوخ، قاله مكي رحمه الله. «وَأَنِ احكم» في موضع نصب عطفًا على الكتاب؛ أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله، أي بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه. {واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ} «أَنْ» بدل من الهاء والميم في «وَاحْذَرْهُمْ» وهو بدل اشتمال، أو مفعول من أجله؛ أي من أجل أن يفتنوك. وعن ابن إسحاق قال ابن عباس: اجتمع قوم من الأحبار منهم ابن صُوريا وكعب بن أسد وابن صَلُوبَا وشَأس بن عديّ وقالوا: اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتِنه عن دينه فإنما هو بشر؛ فأتوه فقالوا: قد عرفت يا محمد أنّا أحبار اليهود، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد من اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك، فاقض لنا عليهم حتى نؤمِن بك؛ فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. وأصل الفتنة الاختبار حسبما تقدّم، ثم يختلف معناها؛ فقوله تعالى هنا «يَفْتِنُوكَ» معناه يصدّوك ويردّوك؛ وتكون الفتنة بمعنى الشِّرْك؛ ومنه قوله: {والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل} [البقرة: 217] وقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت