الْأَكْدَارِ، فَيَكُونُونَ مُصَفَّيْنِ مِنْهُ، وَلَا يُنْتَقَضُ هَذَا بِمَا إذَا اخْتَلَفُوا لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَعْدُهُمْ، فَلَا يَكُونُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ كَدَرًا؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ الْكَدَرَ، وَبَيَانَهُ يُزِيلُ كَوْنَهُ كَدَرًا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا وَلَا يُخَالِفُ فِيهِ فَلَوْ كَانَ قَوْلًا بَاطِلًا، وَلَمْ يَرُدَّهُ رَادٌّ لَكَانَ حَقِيقَةَ الْكَدَرِ، وَهَذَا لِأَنَّ خِلَافَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِمَنْزِلَةِ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أُمُورِهِ، فَإِنَّهَا لَا تُخْرِجُهُ عَنْ حَقِيقَةِ الِاصْطِفَاءِ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَهِدَ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ أُوتُوا الْعِلْمَ بِقَوْلِهِ: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبِّك هُوَ الْحَقَّ} وَقَوْلِهِ: {حَتَّى إذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِك قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا} وَقَوْلِهِ: {يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} وَاللَّامُ فِي"الْعِلْمِ"لَيْسَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْعَهْدِ، أَيْ الْعِلْمِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم، وَإِذَا كَانُوا أُوتُوا هَذَا الْعِلْمَ كَانَ اتِّبَاعُهُمْ وَاجِبًا. الْوَجْهُ السَّابِعُ: قوله تعالى {: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ} شَهِدَ لَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ يَامُرُونَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ، فَلَوْ كَانَتْ الْحَادِثَةُ فِي زَمَانِهِمْ لَمْ يُفْتِ فِيهَا إلَّا مَنْ أَخْطَأَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَدْ أَمَرَ فِيهَا بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى فِيهَا عَنْ مُنْكَرٍ؛ إذْ الصَّوَابُ مَعْرُوفٌ بِلَا شَكٍّ، وَالْخَطَأُ مُنْكَرٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا صَحَّ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، وَإِذَا كَانَ هَذَا بَاطِلًا عُلِمَ أَنَّ خَطَأَ مَنْ يَعْلَمُ مِنْهُمْ فِي الْعِلْمِ إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ مُمْتَنِعٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ. الْوَجْهُ الثَّامِنُ: قوله تعالى {: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الصَّادِقِينَ، وَكُلُّ صَادِقٍ بَعْدَهُمْ فِيهِمْ يَاتَمُّ فِي صِدْقِهِ، بَلْ حَقِيقَةُ صِدْقِهِ اتِّبَاعُهُ لَهُمْ وَكَوْنُهُ مَعَهُمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي شَيْءٍ وَإِنْ وَافَقَهُمْ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِيمَا خَالَفَهُمْ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُمْ، فَتَنْتَفِي عَنْهُ الْمَعِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ، وَإِنْ ثَبَتَ لَهُ قِسْطٌ مِنْ الْمَعِيَّةِ وَفِيمَا وَافَقَهُمْ فِيهِ، فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَعَهُمْ بِهَذَا الْقِسْطِ، وَهَذَا كَمَا نَفَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ الْإِيمَانَ الْمُطْلَقَ عَنْ الزَّانِي وَالشَّارِبِ وَالسَّارِقِ وَالْمُنْتَهِبِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْمُؤْمِنِ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ مُطْلَقُ الِاسْمِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ لِأَجْلِهِ أَنْ يُقَالَ: مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ اسْمَ الْفَقِيهِ وَالْعَالِمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يُقَالُ لِمَنْ مَعَهُ مَسْأَلَةٌ أَوْ مَسْأَلَتَانِ مِنْ فِقْهٍ وَعِلْمٍ، وَإِنْ قِيلَ: مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْعِلْمِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ الْمَعِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَمُطْلَقِ الْمَعِيَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَامُورَ بِهِ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ مِنَّا أَنْ نَكُونَ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَأَنْ نُحَصِّلَ مِنْ الْمَعِيَّةِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ فِي فَهْمِ مُرَادِ الرَّبِّ تَعَالَى مِنْ أَوَامِرِهِ؛ فَإِذَا أَمَرَنَا بِالتَّقْوَى وَالْبِرِّ وَالصِّدْقِ وَالْعِفَّةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُرِدْ مِنَّا أَنْ نَاتِيَ مِنْ ذَلِكَ بِأَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَهُوَ مُطْلَقُ الْمَاهِيَّةِ الْمَامُورُ بِهَا بِحَيْثُ نَكُونُ مُمْتَثِلِينَ لِأَمْرِهِ إذَا أَتَيْنَا بِذَلِكَ، وَتَمَامُ تَقْرِيرِ هَذَا الْوَجْهِ بِمَا تَقَدَّمَ فِي تَقْرِيرِ الْأَمْرِ بِمُتَابَعَتِهِمْ سَوَاءٌ. الْوَجْهُ التَّاسِعُ: قوله تعالى {: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَهُمْ أُمَّةً خِيَارًا عُدُولًا، هَذَا حَقِيقَةُ الْوَسَطِ، فَهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ، وَأَعْدَلُهَا فِي أَقْوَالِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ، وَإِرَادَتِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، وَبِهَذَا اسْتَحَقُّوا